ثقافة اطعام الطعام هي من العادات القديمة التي كان يتولاها القرشين في مكة المكرمة وتسمي عندهم بالرفادة وهي من الأمور العظيمة التي كان أهل مكة يقومون بها أثناء موسم الحج، فقد كانوا يجمعون من كل شخص من بينهم المال بقدر طاقته إلى أن يُجمع مالاً عظيماً، وبه كانوا يجهزون للحجاج الطعام والجمال (الإبل) والزبيب للنبيذ، فلا يزالون يطعمون الحجيج إلى أن ينتهي موسم الحج، وأول من قام بهذه الأمور هو هاشم بن عبد مناف.
والرفادة تشمل مجموعة من الوظائف للقيام على خدمة الحرم المكي، وكانت الرفادة والسقاية أوثقها علاقة بسعي قريش إلى جمع قبائل العرب من حول حرمها وقد ترجم لها بن هشام في سيرته فقال هو خرجاً تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي بن كلاب فيصنع به طعاماً للحاجّ، فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد، وذلك أن قصياً فرضه على قريش... فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم خرجاً فيدفعونه إليه فيصنعه طعاماً للناس أيام منى، فجرى ذلك من أمره في الجاهلية على قومه، حتى قام الإسلام.
ومن اهم وظائف الرفادة كانت هي السقاية وكانت ملازمة لها ملازمة للرفادة لتهوين مشاق الحج وعنائه على الحجيج وقد اشتد التنافس من القرشيين في مكة علي تقديم الخدمات وافعال الخير للحجاج ولكل قادم علي البيت الحرام ولأهلها كذلك مما استدعاهم لتوظيف الخدمات الأخرى كخدمة الحرم المكي مما حداهم لتنظيم العمل الداخلي في مكة بين قادتها ولم يكن له علاقة بالحجيج مباشرة فأوكلوا كل خدمة ومهمة لبيت من بيوت قريش فكانت هذه المهام عشرة وتم توزيعها كالأتي:
(السقاية) وكانت في بني هاشم.
(السدانة) السدانة تشمل اللواء والسدانة والحجابة والندوة وكانت في بني عبد الدار.
(الراية) هي راية قريش في الحرب وتسمى العقاب، وكانت في بني أمية بن عبد شمس .
(الرفادة) وكانت لبني نوفل .
(المشورة) وكانت لبني أسد.
(الأشناق) وهي الديات والغرم. وكانت لبني تيم.
(القبة والأعنة) هي تجهيز الجيش فالقبة سرادق كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها ما يجهّزون به الجيش أما الأعنّة فما كان على خيل قريش في الحرب وكانت في بني مخزوم.
(السفارة) كانت في بني عديّ.
(الأيسار) وهي الأزلام التي يستقسمون بها قبل القيام بأي أمر يرونه خطيراً وكانت في بني جُمح.
و(المُحْجَرة) وهي الأموال التي خصّوا بها آلهتهم وكانت في بني سهم.
كل هذه الوظائف خصصت لخدمة الحجيج في مكه وكان أعظمها وقعا عند الناس هي الرفادة لأن الناس كانو ضنك وضيق وشدة وقلة في الزاد والمؤونة لذلك كان من يطعم الناس هو الأشهر ومن يومها كانت القاعدة واللبنة الأساسية للتكية في الإسلام وقبله.
وقد اشتهرت التكية السليمانية في مدينة دمشق التي كانت كمركز التقاء تجاري منذ العصر الجاهلي حيث كان تجار قريش قبل الإسلام يأتون بتجارتهم من عدن في اليمن إلى التكية السليمانية وأقل قافلة كانت ألف جمل هكذا تقول كتب التاريخ وكذلك من الصين الى بغداد فدمشق إلى التكية عن طريق الحرير وبعد الإسلام تطورت نظم التجارة وتحولت الي سوق تجاري في مكان آخر وأصبحت التكية مركزاً لتجمع الحجاج من العراق وآسيا وتنطلق قافلة الحجاج منه إلى مكة المكرمة،، وكانت تجدد وتوسع في كل حقبة زمنية متتالية.
وكذلك كانت التكيّة من العمائر الدينية المهمة التي ترجع نشأتها إلى العصر العثماني، سواء في الأناضول أو في الولايات التابعة للدولة العثمانية وقد أنشآت خاصة لأقامة المنقطعين للعبادة من المتصوفة ومساعدة عابري السبيل وتعتبر التكية من المنشأت الدينية التي حلَّت محل الخنقاوات المملوكية في العصر العثماني.
وقد اهتمت مصر بإقامتها الكثير من التكايا، والتي تنوعت أغراضها فكانت مأوى للكثير من الفقراء والمساكين الذين لا مسكن لهم والأرامل واليتامى الذين لا عائل لهم، وكان يجتمع بها أهل العلم الوافدين لأداء مناسك الحج أو العمرة من جميع أرجاء العالم الإسلامي طلبًا لتعلم العلوم الدينية.
ومن أهم التكايا المصرية التي حفظت بدار الوثائق القومية بالقاهرة كانت تحت مسمى (دفاتر تكية مكة المكرمة) وكانت تشير الي التكية التي إقامتها الدولة المصرية في مكة المكرمة فكانت كذلك تقوم بالدور الخدمي من استقبال قوافل الحج والعمرة وإطعام الوافدين إلى البيت الحرام من المصريين وغيرهم وقد اشتهر العباسيين بصورة واضحة في خدمة حجاج ببت الله الحرام وعلي وجه الخصوص في عهد الخليفة الراشد هارون الرشيد وزوجته زبيدة التي كانت لها واقف عظيم للحجاج في مكة المكرمة ولا نستطيع حصر ومناقب أهل الكرم و الجود الذين قدموا الطعام والرفادة لحجاج بيت الله ولطلاب العلم ولعابري السبيل ولكن ضربنا هذا المثل القليل أنابة عن الكثير الذي لم تتوفر لنا المعلومات الكافيه لذكره ولكن الشئ بالشئ يذكر.
وقد اشتهرت التكايا بصورة غير مسبوقة عند أهل السودان في العصر الحديث فكانوا أشهر من يقدم الزاد والمؤونة لحجاج بيت الله الحرام في مكة وفي المدينة وأن لم يكن لهم وقف وريع ثابت يجري علي هذه التكايا الا ما كان من أمر ابيار علي دينار وهي ميقات أهل المدينة وتبوك وما جذورها من أهل الشمال وكذلك قد تواترت الأحاديث والروايات ألمؤكدة علي عظيم النفقة لدي الحجاج من أهل السودان وقد سمعت لأكثر من شاهد من عرب الحجاز في جنوبها وفي شمالها يحكي مناقب وشمائل أهل السودان ورفادتهم وأطعامهم للفقراء إبان فترة الحج.
ومن اكبر العوامل التي تمتحن المجتمعات وتنفض الغبار عن معادنهم هي المصائب العظيمة والزلازل الجسيمة واي مصيبة هي أعظم من الحرب التي تخلف الموت والدمار وقد وقع علي بلادنا السودان هذا البلاء الغاشم من الشرذمة الغشيمة الغادره التي اجتاحت بلادنا السودان بغرض النهب والسلب والتعدي علي أموال الناس واعراضهم دون جريرة تذكر وقد تصدي لها جيشنا الباسل وقواتنا المسلحة الظافرة لهؤلاء الاوباش والاوغاد وقد. تلاحهم شعبنا العزيز الأبي مع جيشه وشكل سندا قويا وعضدا ظاهرا ساهم في تحقيق هذه الانتصارات التي تزيد يوما بعد يوم.
وقد نفض غبار المعركة وكشف عن معدن الشخصية السودانية المثالية في النجدة والمرؤة والكرم الفايض الزاخر وقد تلاحمت جماهير شعبنا في كل مناطق العمليات وتضافرت جهودها لتقليل الصدمة علي المواطن السوداني وعلي العوائل وكبار السن والأطفال وكل يجود بما يستطيع وقد حفلت كل القري والفرقان بعمل التكايا وتوزيع الطعام في اروع صور التكاتف والحياة التكافلية بين كل ولايات ومحليات البلاد لاسيما مناطق الحرب.
وقد اشتهرت في ام درمان العديد من التكايا التي قام بها المواطنين منذ اندلاع الحرب كتكية ابن المغاوير حسن بشير المغواري الذي ظل يقدم الطعام منذ ندلاع الحرب في بيت ابن عمه عبدالكريم خلف الله عبدالكريم شقيق خالد خلف الله عبدالكريم وقام حسن بشير بصنع الطعام في تكيته في ام درمان حيث يعد الطعام في نحو عشره قدور كبيره ثم يوزعها لكافة المحتاجين وغير حسن هذا عشرات الأسماء التي قامت بإعداد وتقديم الطعام بمشاركة كل أهل الحي حيث يأتي كل رجل او آمراة بما يملك وبما عنده من الطعام فيجمع في قدور كالجواب ويخلط ثم يوزع الغني حذوا الفقير علي حد سواء.
وقد شهدت محلية امدرمان ومحلية كرري عدد من التكايا التي قام علي تنفيذها عدد من الرجال الخيرين والنساء الخيرات وقدمت الطعام للنازحين والمتضررين من حرب عصابة الدعم الصريع وعلي مستوي المسؤلين قام الفريق ياسر العطا بتنفيذ برنامج التكايا الخيرية حيث يتم تنفيذ النسخة الثالثة والرابعة في محليتي امدرمان وكرري في مشروع التكايا الخيرية بولاية الخرطوم والتي تم تنفيذها في أقل من شهر وسط فرحة كبيرة من المواطنين.
وكذلك من أشهر التكايا التي كنا نشهدها تكية الشيخ الجعلي وهي ضرب مثل لتقديم الطعام لعامة الناس وخاصته مثلها كمثل بقية تكايا الطرق الصوفية لتقديم الطعام للمساكين ولذوي الحاجات الخاصة والدروايش وكذلك قد اشتهرت تكية العمدة حاج الريح السنهوري الجعلي في مدينة عطبره وكانت هي بمثابة (تكية عالمية)
وكان العمدة حاج الريح الفكي السنهوري الجعلي رمز معروف من رموز ولاية نهر النيل وفي مدينة عطبرة في زمن كانت الفروق الاجتماعية في المجتمع لا تشكل أزمة اجتماعية على الرغم من أن الفقر كان أشد وقعا علي الناس من اليوم وتلك الازمان يعرفها الذين عاصروها وعايشوها إلا أن بنية المجتمع كانت أكثر قوة وتماسكا وتعففا فلا تكاد تعرف الفقراء إلا بسيماهم يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف.
كان حاج الريح الفكي السنهوري عميد أسرة السناهير العريقة تاجرا مشهورا في مدينة عطبرة وكانت له تكية معروفة ملاصقة لبيته مفتوحه ليلاً ونهاراً للفقراء وعابري السبيل وكان هناك نسوة يتجاوز عددهن العشرة متفرغات لإعداد الطعام على مدار الساعة وكانت هناك طاحونة ملاصقة لبيته خاصة بالتكية لطحن الذرة والقمح لكل الوجبات ولديه زريبة أغنام البانها مخصصه للعشاء بالتكية
والغريب في الأمر أن هذه التكية ليست لفقراء المدينة فقط أو عابري السبيل وإنما كانت تكية عالمية يأتيها حجاج بيت الله الحرام من دول أفريقيا وبالذات شناقيط موريتانيا ومن نيجيريا وجمهورية مالي ودول غرب أفريقيا القاصدين لبيت الله الحرام في مكة.
وعندما يأتي هؤلاء الحجيج وهم بالمئات تنصب لهم الخيام في المكان المخصص اليوم لمواصلات عطبرة والمعروف سابقاً بسوق حاج الريح وهو بجوار منزل الفكي الريح
وتستمر استضافة هؤلاء الحجيج لشهور تمتد وتقدم لهم خلالها الوجبات المجانية وكل الخدمات المطلوبة بلا كلل أو ملل.
حتي أن كثيرا من شناقيط موريتانيا وغيرهم من أهالي غرب أفريقيا الذي ودوا علي هذه التكية لا زالوا يذكرون المرحوم حاج الريح وقد كتبوا في شأنه الكثير.
وعندما تحين مغادرة هؤلاء الوفود لمدينة عطبرة متجهين إلى ميناء سواكن لا يتركهم وإنما يكتب الي أصدقائه هناك لتولي أمر الحجيج بكتاب مخطوط بخط يده ويظل متابعا لهم حتى يعتلي آخر حاج الباخرة مغادرا إلى ميناء جدة.
وفي الختام قدمنا لك أيها القاري الكريم نبذة عابره وفذلكة تاريخية عن مشروع التكايا في الجاهلية والاسلام والعصر الحديث والتكية المعاصرة في السودان اليوم التي تلفح نيرانها اليوم كل جيوش الفقر والعوز والمسغبة وتقدم الطعام من غير من ولا اذي في كل ربوع السودان، ولنا لقاء آخر معك ايها القاري الكريم وفي وداعة الله وحسن رعايته دمتم آمنين.







