قررت السفر فجأة
لاضع قلبي قرب قلب امي المفطور علي وطنها وبيتها وناسها ...
ملات حقيبتي الصغيرة حبا ولهفة ... احتشدت صور امي باختلاف مراحلنا العمرية حولها علي مد بصر الروح
روابة الموية ام عكارة لج ..
انا سنقرئك فلا تنسي ..
كيف ينسي من هو معجون لاخمص قدمه بهذا البهاء العجيب ..
ذهبت هناك ..
عندها
وتركت ذريتي خلفي وانا دايما كنت احملهم علي ( صفحتي ) التي ماناءت ولا كلت .. منذ خليقتهن لحدي ما تساوت الاكتاف وتجاوزت ..
لكني امام امي انا اترك كل شيء واركض .. علني فقط احظي بلمس قدمها وتقبيل كفها .. اشيل حوض اتملا بماء وضوءها او فرشت فيه اسنانها او غسلت فيه كف رحيم ربى وطهي وكبر وعلم ورتق ثوب انفتق ... كف صنع انسانا يذوب امام حنها ولطفها ورحمتها ...
امي .. احن زول في التاريخ .. كلما الدنيا عركتني وامتحنتني ودردرتني
في التو واللحظة تاتيني صورة حبيبة احتفظت بها في (جخنون روحي) مدسوس هناك امرقه زي تمر المدينة اهزي نفسي بيه وهو صورتها .. صورة وشها الحلو وهي تقترب من زرار مقطوع في ثوبي المدرسي لتدس (خيوط رحمتها) في فتحة الزرار وتخيطني انا وتلمني لازهو واينع واكبر .. وجهها الحلو القسيم الوسيم وهي تجثو علي ركبتيها امامي وانا طفلة صغيرة اكاد لا اتحاوز الستة اعوام اقتراب انفاسها الزاكيات من وجهي وهي تقترب لتقطع الخيط باسنانها وصورة حاجبها بزغبه الرقيق واعتدال انفها وانعكاس صورة وجهي في نني عينها
هذه الصورة مطبوعة داخل كل كرية دم حمراء فيني كلما استقلبت انتجت اخري
انا امي تسكنني ..
يبدو ان المولي عز وجل كتب لي حينها رؤية بيته والجلوس في صحن داره وان يكرمني بهذا لانني اكرمت امي ❤️
هكذا اراه ..
كانت ايام قلائل في بلد النبي التي اختارتها امي لتعيش فيها الي حين انفراج الغمة وترجع دارها وتتوسد مخدتها وتفتح مطبخها وتستقبل حبانها ..
استقبلنا بلد النبي بحر قائظ وحب كبير .. وقعت انا في حب الرياض من الوهلة الاولي .. يمكن لان اول من صافح ناظري لحظة انا وطات اقدامنا تلك البلاد الكريمة كان وجه معز اخي .. حبيبي وقرة عيني .. اصغرنا واكملنا .. كما يحتل السكر في قعر الكباية ليدع باقي الشراب طيبا كهذا اري اخي الوحيد .. دخلتني الرحمة العجيبة والسند الكبير وانا اضم جسده الحبيب الي .. فاستحالت نسمات الفجر الاولي. لشيء اقرب لهمس العشاق بالرغم من الكفتيرة الكبيرة ذات البوخ المفتوحة بالخارج ..
فضحكنا حتي بانت نواجذنا .. كعادتنا رغما عن كم الحزن الذي غشي ديارنا من منتصف ابريل ليحيل كل حياتنا الي شيء مختلف وغريب وعجيب ..
الغريب ان الكل ضاحك مستبشر في تلك البلاد .. الحياة سهلة .. رحمة ويقين غير معهود .. لا اثر لذلك العنت والجري واللهث الذي نراه في غيرها من الدول بالذات البنعيش فيها دي ساتي لاحقا للكتابة عن هذا ..
الكل دعاني لزيارة بيت الله الحرام لاعتمر رغما عن قصر المدة التي قضيتها .. ولانها اول مرة لي كنت اود ان اخطط لها كعادتي ولكن يبدو ان النداء كان قوي فحجزت تذكرتي الي جدة..
كعادتي.. كابي ذر غفاري عتيق
ذهبت وحدي ..
من الطيارة .. بدا ذلك الجو العجيب المهيب .. امتلات الطائرة بالمعتمرين من الرجال وهم في زي احرامهم المميز ..
عندما حطت الطائرة ..الصبح كان يتنفس بهدوء في بواكير يوم غسل وجهه لتوه .. وانا روحي تهيات للاغتسال تردد بخفوت لبيك اللهم لبيك ...
ركبت اول عربة تقدم صاحبها بعرض لاخذي لبيت الله... وايضا ذهبت وحدي ..
في الطريق كنت اقرا ماارسلته لي حبيبتي اية وصديقي دكتور محمد صالح من ادعية وتعليمات وارشادات ...
يا حجية وصلنا خلاص
نزلت حجية ..
كنت عازمة علي ان ابحث عن عربة كهربائية او كرسي لاداء الشعائر لالم مقيت في ركبتي اليمين ..
حملت حقيبة يدي الصغيرة .. ونزلت ..
اخب خبا .. الدنيا صباح بدري جدا .. غباش الفجر.. الناس شوية ..
الا حمام الحرم .. بديت بيهو .. اشتريت كيس اكل حمام من صبي صغير واطعمت الحمام ..
ودخلت
اي وصف .. اي كلام .. اي مشاهدة لصور او فيديوهات .. او متابعة لعمرةاو حج عن طريق تلفزيون او لايفات
بتشبه مضغ حلاوة وهي مغلفة
عارفها حلاوة بس ما بتحس بطعمها ..
عسي ان تكتب تلك الحلاوة الجد جد المافيها غلاف ولا وصف يكتبها لكم جميعا ❤️
ريحة البيت الحرام .. البخور .. الجو العام .. الرهبة .. الخشوع .. وجوه الحولك .. هدومهم ..
لحظة دخولي ..
وشوفة الكعبة .. تسامي عجيب .. لدرجة الجثو ..
بركت في الارض وحبوت .. وانا العندي مشكلة ازلية في ركبتي اليمين .. حبيت تجاه البيت ..
كاني خجلت ان اتيه راجلة ..
حبوت علي البلاط البارد استند علي قلبي الذي قفز ليسبق خطوي
جوارحي
ثنايا روحي ...
حجبت دموعي مدي رؤيتي وبقي البصر خاشعا ...
داب قلبي
فص كبدي تلاشي
وسكن احشائي سكون مهيب
والله تجمعت كل الحياة بزخمها وضجيجها والتزاماتها وتضاءلت واتضايرت في ركن قصي
لتفسح كل المجال للمشاعر اللاول مره احسها تجاه مكان .
نسيت حتي من انا ..
وذكرت فقط في بيت من اجلس
ملاني الحنين فستفني تستيف ...
جالسة ارضا ...
جاثية امام هذة العظمة والجمال ...
ارفع بصري فيذهب مباشرة ليعلق باستار الكعبة ويذوب في ثنايا نقوشها ...
جثوت .
وانا لا املك الا هذا القلب الملان محبة وشوق ووجيب
وروحي تركض ..
اتاريها الروح
تسعي وتطوف
وتصلي ...
الجسد مجرد ماعون
اضعف من احتمال كل هذة المحبة ...
واقل بكتير من توصيل كل الوجيب دا وتعبيته في اثير. فضفاض ..
عوالم برزخية..
انفصال عن الزخم والحياة والناس
تراهم حولك كانهم ليسوا هناك...
وانا وسط كل هذا الهديل ...
ناولني احدهم كوب من زمزم .. نزل علي برد وسلام
لم ابحث عن كرسي ولم اطلب من احدهم ان يعينني علي طواف ..
والتحمت بالجموع المصلية الخاشعة المتبتلة الباكية الداعية الصاغرة ..
كل بلغته وعلي طريقته
اتفقوا فقط علي هذة المحبة وهذا العشم ... مهللين ومكبرين وملبيين ..
رفعت يدي محيبة الحجر الاسود ومكبرة يسبقني دمعي في كل مرة .. فانا لا ملك قوة تجعلني اصل قربه من شدة تزاحم الناس عليه ..
نظرت باسي للمقام الابراهيمي في كل لفة ونحن نطوف ..
يبدو ان هناك تتحقق الامنيات
احد الضباط رفع لي يده .. حجية تبغين تصلين خلف المقام
قلت ليه ايوة لكن الصفوف طويلة
مد يدا وجذبني نحو المقام
وتكفل من هم ورائي بدفعي من الخلف فطار جسدي كما طارت روحي من قبل لترك مثل حمام الحرم في المقام طيب الرائحة
فجثوت
لا ادري كم صليت او كم لبثت
الي ان نبهني احد الحراس ان هذا يكفي لادع المكان لمحبين اخرين
فخرجت كالماخوذ .. كدرويش تملكه الهوي والحب
فايقنت حينها من حقيقة طالما رددتها بيني وبين نفسي
انني احب الله ...
اجل انا احبه .. حتي خشيتي منه مردها محبتي اكثر من اي شيء اخر .. احبه لدرجة انني موقنة بقربه مني في كل حركاتي وسكناتي ..
احسن به الظن موقنة دايما ان. امري كله خير
وانه احن علي من قلب امي وانه خلفي وامامي ...
انا اعلم ان هذا هو درب المتصوفة
وانا اقرب الناس لهؤلاء النفر في علاقتهم بالمولي عز وجل ..
وذهبت بعدها لاسعي ..
صادفتني احد السيدات السودانيات وسالتني من الطريق..
طريق انا لا اعلم ملامحه
ولكني اعرفه
فاخذتها من يدها
تبكي وتدعو ربنا سبحانه وتعالي ان يهبنا سكينة وطمانينة وان يرد بلدنا سالما طيبا ان يجمع شملنا ويبدد جمع من اراد بنا سوء
كانت مخلصة يفيض دمعها بعد كل كلمة فكنت اردد خلفها
وبدينا السعي
بالرغم من طول المسافة
حسيت انها مجرد خطوات
لا ادري كم سعيت لاني عندما اكلمت السبع
واصلت
دعوت لكم جميعا .. دعوت لكل من وصاني ومن لم يوصني
تدافعت وجوهكم في ذاكرتي اصواتكم اشكالكم كلامكم كتابتكم... دعوت لكل من احبني ومن لم يحبني .. عفوت هناك عن كل من اساء .. وغسلت قلبي من كل سوء وتحررت من كل حزن وغبن وهزبمة ..
خرجت من المشعر كمن ولدته امه ...
قصصت شعري وتحللت ..
وتحللت من كل قيد ايا كان نوعه ..
صرت مثل حمام الحرم .. هديلي تسبيح ..

