(بوش نيوز) الملف الثقافي.. من السبت الي السبت
صلاح عبدالله نورالدين يكتب: معركة بدر الكبري وبدر السودان (٢--٢)
ذكرنا في المقال الاول ان معركة بدر هي اول معركة في الإسلام وهي معركة الفرقان بين الحق والباطل وانه مر علي تاريخ وقوعها ١٤٤٤ عاما ومازال الصراع قائما بين الحق والباطل وذكرنا ان السبب الرئيسي كان هدفا اقتصاديا و هو باعتراض النسلمين لعير قريش المتوجهةٍ من الشام إلى مكة يقودها أبو سفيان بن حرب، ولكن أبا سفيان تمكن من الفرار بالقافلة ثم وأرسل رسولًا إلى قريش يطلب عونهم ونجدتهم فاستجابت قريشٌ وخرجت لقتال المسلمين بالعدد والعدة فكانوا الف رجل مشرك وكان عدد جيش المسلمون ٣١٤ فارس مجاهد وذكرنا في صدر المقال ان نعقد مقارنة بين معركة بدر أسبابها والإعداد لها من الطرفين ونتائجها وما خلا بعدها من الدروس والعبر وما بين معركة الكرامة في بلادنا السودان التي تدور رحاها اليوم بين جيشنا الباسل وبين طغمة الطغاة الظالم والمسنودة من دول الشر والبغي والعدوان العالمية التي تصنع الفتن والباطل وتقف الي جانبه في عديد من الدول التي تستضعفا وتطمع في مواردها وهو العامل الأساسي لعقد المقارنة بين المعركتين لأن تعزيز الموقف الاقتصادي يعول عليه في إدارة الحروب لإستعمار البلاد ولكسب القوة وتحقيق الانتصار وجلب المصالح وتحقيق الأهداف باستقلال الموارد وهو ماكان من قوات الدعم الصريع وما كان من ورائهم بالتخطيط الفكري والاستعماري والدعم اللوجستي وإدارة المعركة والإشراف عليها بهذه الامكانيات التي تفتقدها كل الدول الأفريقية ولا تتوفر الا في دول الغرب وذلك بالحصول علي تقنياتها داخل ميادين القتال في الخرطوم وفي الجزيرة وغيرها
وايضا ذكرنا انه من جراء هذه المعركة فقدت قريش نخبة قادتها مما أضعف موقفها العسكري والسياسي لاحقا وتعاقبت علي الهزائم وضعفت عندها العزائم وهو ما يقابلها في قوات المرتزقة فأول مافقدوا في الساعات الاولي من المعركة فقدوا قائدهم المغمور المخمور (حميرتي) فكان له الأثر في انقلاب الموازين في نفوس المرتزقة وهو حال كل الجيوش حينما يقتل قادتها وتنكس رأيتها
ونجد انه في كل المعركتين معركة بدر ومعركة الكرامة مع قلة العدد والعدة في بدر الكبري وبالكاد انعدامها في معركة الكرامة الأ انه هناك العزم واليقين وسلاح الإيمان والتوكل علي حق التوكيل والعزيمة علي ملاقاة العدو ومجاهدته بالسلاح والعتاد المادي وسلاح الإيمان المعنوي
فكان سلاح الإيمان اقوي من العدد والعدة الظاهرة وفي كل المعركتين غير المتكافئتين ورغم قلة عدد المسلمين والمجاهدين كان الإعتداد بالإيمان بالله وسعيهم للحق سببا رئيسيا في تحقيق النصر وتغيير موازين المعركتين التي تدور رحاها في صراع محموم بين الحق والباطل وكذلك من العوامل والأسباب القوية في تحقيق النصر هو أهمية التخطيط الاستراتيجي لقيادة المعركتين فنجد ان رسول صلي الله عليه وسلم استشار أصحابه في كثير من الأمور وخاصة في موقع نزول جيش المسلمين علي موارد المياه وحرمان العدو من أهم مصادر الحياة فنجد ان اختيار موقع المعركه
واستخدام أساليب الحركة الذكية كالمباغتة والسيطرة علي الموارد والتوكل على الله مع الأخذ بالأسباب وكذلك دعاء النبي صلي الله عليه وسلّم قبل المعركه حيث قال فيه اللهم ان تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض بعدها فكانت العصابة التي بارك الله فيها هي ٣١٤ فارس من فوراس الإسلام سجلوا اروع البطولات وارسوا قواعد الإسلام بتلك الوقفة الشجاعة حتي علم الله ما في نفوسهم فرضي عليهم وغفر لهم وفي المقابل في معركة الكرامة رغم قلع العدد والعدة للجيش السوداني مابين ٦ الي ١٣ الف مقابل أكثر من ١٢٠ الف من المرتزقة التي تشرف عليه اقوي دول العالم بأحدث الاجزة الصوتية والمرئية وأحدث السلاح العالمي والمفاجاة والمباغتة والغدر في بداية إطلاق النار علي الجندي السوداني وهدم جدار القيادة العامة واندفاق كل القوة الخارقة داخل محيط القيادة وانصباب الرصاص كالمطر علي ابطال وفرسان القيادة الذين تفاجأؤ بالمهاجمة وإطلاق الرصاص وعلموا ان الخيانة قد وقعت وأن اليمين التي ادوها في قسم القوات المسلحة قد حانت ساعتها وقد جاء موعد الحنث فيها بإحدي الحسنين إما النصر وإما الشهادة فكانت العصابة التي دعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر اللهم ان تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الارض وبمثلها اللهم ان تهلك هذه العصابة في القيادة العامة لقواتنا المسلحة فلن قوم للاسلام قائمة في السودان وهكذا القي الله تعالي الإيمان واليقين والتوكل في قلب الجيش السوداني فكانت شهداء معركة القيادة الذين واجهوا لسان الحرب المستمرة في الساعات الاولي من الهجوم فما كان منهم إلا ثبتوا كالجبال الراسيات حتي كسروا شوكة العدوا في المساحة صفر بإقل العدد والعدة المادية وبأعظم العدد والعدة المعنوية وهو سلاح الإيمان والتوكل علي الله وافتداء الوطن بالنفس والنفيس فكانواء شهداء معركة القياده ومعركة الكرامة لايقل شأنهم ورفعتهم من شهدا معركة بدر في صدر الإسلام
وبقيادة تلك معركة الكرامة وبهذه الكفاءة العالية والخبرة الاست اتيجية في إدارة الحروب بقيادة الفارس البرهان والفارس كباشي والفارس ياسر العطا وكل الفرسان في كابينة القيادة وكل الفرسان في ميدان معركة الكرامة السودانية الخالدة وبكل شهداءالوطن والعقيدة بكل الرتب العليا من الضباط وضباط صف والجنود والمستنفرين وفرسان المقاومة الشعبية اثبتت ان الجيش السوداني وأن المسلمون قادرين على الوقوف أمام اقوي جيوش البغي والظلم ومما تجدر الاشاره إليه ان قوة الايمان في صدور الرجال لا يهددها العدد والعدة الظاهرة وان سلاح التوكل علي الله لا ينكسر وان هذه القوة الايمانية يمكن اظهارها والخروج بها في اى وقت دعت اليه الضرورة وأملت عليه الظروف
وفي ختام هذه المقارنة بين المعركتين معركة بدر الكبري ومعركة الكرامة السودانية نقف علي ماقيل في الشعر في معركة بدر وماجاد به المبدعون بسلاح الفواحة والشعر وهو لسان حال الإعلام يومذاك ونلحق هذين المقاتلين بمقال ثالث نقف فيه علي مايترتب علينا من ناحية ادبية في توثيق هذه البطولات التي قدمها الجندي السوداني الوطني الغيور الوفي الفارس الثابت عديم النظير في هذا الزمان ونرصد ما نتحصل عليه وماقيل في الشعر بكل الوانه واصنافه فصيحا وعاميا ونختار منه نموزجا حيا معبرا عن ادبيات معركة الكرامة اذا مد الله في أيامنا
وإليك أخي القاري الكريم بعض ماقيل من الشعر في معركة بدر الكبري وهو قَوْلُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ يَرْحَمُهُ اللهُ وعليك أن تلاحظ أيها القارى الكريم وجه الشبه في الشعر لكل المعركتين لأنهما تطابقا في أسباب الوقوع وأسباب الانتصار وعزيمة القتال بسلاح الإيمان لجيش الإسلام يوم بدر الكبري وعزيمة القتال بالعقيدة الثابتة الراسية للجندي السوداني في معركة الكرامة
يقول حمزة بن عبدالمطلب أسد الله ورسوله وسيد الشهداء في معركة احد يقول عن معركة بدر وكان من فرسانها المبارتين وشجعانها المقاتلين يرحمه الله
أَلَمْ تَرَ أَمْرًا كَانَ مِنْ عَجَبِ الدّهْرِ
وَلِلْحَيّنِ أَسْبَابٌ مُبَيّنَةُ الْأَمْرِ
وَمَا ذَاكَ إلّا أَنّ قَوْمًا أَفَادَهُمْ
فَحَانُوا تَوَاصٍ بِالْعُقُوقِ وَبِالْكُفْرِ
عَشِيّةَ رَاحُوا نَحْوَ بَدْرٍ بِجَمْعِهِمْ
فَكَانُوا رُهُونًا لِلرّكِيّةِ مِنْ بَدْرِ
وَكُنّا طَلَبْنَا الْعِيرَ لَمْ نَبْغِ غَيْرَهَا
فَسَارُوا إلَيْنَا فَالْتَقَيْنَا عَلَى قَدْرِ
فَلَمّا الْتَقَيْنَا لَمْ تَكُنْ مَثْنَوِيّةٌ
لَنَا غَيْرَ طَعْنٍ بِالْمُثَقّفَةِ السّمْرِ
وَضَرْبٍ بِبِيضِ يَخْتَلِي الْهَامَ حَدّهَا
مُشَهّرَةِ الْأَلْوَانِ بَيّنَةِ الْأُثُرِ
وَنَحْنُ تَرَكْنَا عُتْبَةَ الْغَيّ ثَاوِيًا
وَشَيْبَةَ فِي الْقَتْلَى تَجَرْجُمُ فِي الْجَفْرِ
وَعَمْرٌو ثَوَى فِيمَنْ ثَوَى مِنْ حُمَاتِهِمْ
فَشُقّتْ جُيُوبُ النّائِحَاتِ عَلَى عَمْرِو
جُيُوبُ نِسَاءٍ مِنْ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ
كِرَامٍ تَفَرّعْنَ الذّوَائِبَ مِنْ فِهْرِ
أُولَئِكَ قَوْمٌ قُتّلُوا فِي ضَلَالِهِمْ
وَخَلّوْا لِوَاءً غَيْرَ مُحْتَضَرِ النّصْرِ
لِوَاءَ ضَلَالٍ قَادَ إبْلِيسُ أَهْلَهُ
فَخَاسَ بِهِمْ إنّ الْخَبِيثَ إلَى غَدْرِ
وَقَالَ لَهُمْ إذْ عَايَنَ الْأَمْرَ وَاضِحًا
بَرِئْت إلَيْكُمْ مَا بِي الْيَوْمَ مِنْ صَبْرِ
فَإِنّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَإِنّنِي
أَخَافُ عِقَابَ اللهِ وَاَللهُ ذُو قَسْرِ
فَقَدّمَهُمْ لِلْحَيْنِ حَتّى تَوَرّطُوا
وَكَانَ بِمَا لَمْ يَخْبُرْ الْقَوْمُ ذَا خُبْرِ
فَكَانُوا غَدَاةَ الْبِئْرِ أَلْفًا وَجَمْعُنَا
ثَلَاثُ مِئِينٍ كَالْمُسَدّمَةِ الزّهْرِ
وَفِينَا جُنُودُ اللهِ حِينَ يُمِدّنَا
بِهِمْ فِي مَقَامٍ ثَمّ مُسْتَوْضَحِ الذّكْرِ
فَشَدّ بِهِمْ جِبْرِيلُ تَحْتَ لِوَائِنَا
لَدَى مَأْزِقٍ فِيهِ مَنَايَاهُمْ تَجْرِي
فَأَجَابَهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ:
أَلَا يَا لَقَوْمِي لِلصّبَابَةِ وَالْهَجْرِ *** وَلِلْحُزْنِ مِنّي وَالْحَرَارَةِ فِي الصّدْرِ
وَلِلدّمْعِ مِنْ عَيْنَيّ جَوْدًا كَأَنّهُ *** فَرِيدٌ هَوَى مِنْ سِلْكٍ نَاظِمُهُ يَجْرِي
عَلَى الْبَطَلِ الْحُلْوِ الشّمَائِلِ إذْ ثَوَى *** رَهِينَ مَقَامٍ لِلرّكِيّةِ مِنْ بَدْرِ
فَلَا تَبْعُدْنَ يَا عَمْرُو مِنْ ذِي قُرَابَةٍ *** وَمِنْ ذِي نَدَمٍ كَانَ ذَا خُلُقٍ غَمْرِ
فَإِنْ يَكُ قَوْمٌ صَادَفُوا مِنْك دَوْلَةً *** فَلَا بُدّ لِلْأَيّامِ مِنْ دُوَلِ الدّهْرِ
فَقَدْ كُنْت فِي صَرْفِ الزّمَانِ الَّذِي مضى *** تريهم هَوَانًا مِنْك ذَا سُبُلٍ وَعْرِ
فَإِلّا أَمُتْ يَا عَمْرُو أَتْرُكْ ثَائِرًا *** وَلَا أُبْقِ بُقْيَا فِي إخَاءٍ وَلَا صِهْرِ
وَأَقْطَعُ ظَهْرًا مِنْ رِجَالٍ بِمَعْشَرِ *** كِرَامٍ عَلَيْهِمْ مِثْلَ مَا قَطَعُوا ظَهْرِي
أَغُرّهُمْ مَا جَمّعُوا مِنْ وَشِيظَةٍ *** وَنَحْنُ الصّمِيمَ فِي الْقَبَائِلِ مِنْ فِهْرِ
فَيَالَ لُؤَيّ ذَبّبوا عَنْ حَرِيمِكُمْ *** وَآلِهَةٍ لَا تَتْرُكُوهَا لِذِي الْفَخْرِ
تَوَارَثَهَا آبَاؤُكُمْ وَوَرِثْتُمْ *** أَوَاسِيّهَا وَالْبَيْتَ ذَا السّقْفِ وَالسّتْرِ
فَمَا لِحَلِيمِ قَدْ أَرَادَ هَلَاكَكُمْ *** فَلَا تَعْذِرُوهُ آلَ غَالِبٍ مِنْ عُذْرِ
وَجِدّوا لِمَنْ عَادَيْتُمْ وَتَوَازَرُوا *** وَكُونُوا جَمِيعًا فِي التّأَسّي وَفِي الصّبْرِ
لَعَلّكُمْ أَنْ تَثْأَرُوا بِأَخِيكُمْ *** وَلَا شَيْءَ إنْ لَمْ تَثْأَرُوا بِذَوِي عَمْرِو
بِمُطَرّدَاتِ فِي الْأَكُفّ كَأَنّهَا *** وَمِيضٌ تُطِيرُ الْهَامَ بَيّنَةَ الْأُثْرِ
كَأَنْ مُدِبّ الذّرّ فَوْقَ مُتُونِهَا *** إذَا جُرّدَتْ يَوْمًا لِأَعْدَائِهَا الْخُزْرِ
وَقَالَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ
أَلَمْ تَرَ أَنّ اللهَ أَبْلَى رَسُولَهُ *** بَلَاءَ عَزِيزٍ ذِي اقْتِدَارٍ وَذِي فَضْلِ
بِمَا أَنْزَلَ الْكُفّارَ دَارَ مَذَلّةٍ *** فَلَاقَوْا هَوَانًا مِنْ إسَارٍ وَمِنْ قَتْلِ
فَأَمْسَى رَسُولُ اللهِ قَدْ عَزّ نَصْرُهُ *** وَكَانَ رَسُولُ اللهِ أُرْسِلَ بِالْعَدْلِ
فَجَاءَ بِفُرْقَانِ مِنْ اللهِ مُنَزّلٍ *** مُبَيّنَةٌ آيَاتُهُ لِذَوِي الْعَقْلِ
فَآمَنَ أَقْوَامٌ بِذَاكَ وَأَيْقَنُوا *** فَأَمْسَوْا بِحَمْدِ اللهِ مُجْتَمِعِي الشّمْلِ
وَأَنْكَرَ أَقْوَامٌ فَزَاغَتْ قُلُوبُهُمْ *** فَزَادَهُمْ ذُو الْعَرْشِ خَبْلًا عَلَى خَبْلِ
وَأَمْكَنَ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ رَسُولَهُ *** وَقَوْمًا غِضَابًا فِعْلُهُمْ أَحْسَنُ الْفِعْلِ
بِأَيْدِيهِمْ بِيضٌ خِفَافٌ عَصَوْا بِهَا *** وَقَدْ حَادَثُوهَا بِالْجَلَاءِ وَبِالصّقْلِ
فَكَمْ تَرَكُوا مِنْ نَاشِئٍ ذِي حَمِيّةٍ *** صَرِيعًا وَمِنْ ذِي نَجْدَةٍ مِنْهُمْ كَهْلِ
تَبِيتُ عُيُونُ النّائِحَاتِ عَلَيْهِمْ *** تَجُودُ بِإِسْبَالِ الرّشَاشِ وَبِالْوَبْلِ
نَوَائِحَ تَنْعَى عُتْبَةَ الْغَيّ وَابْنَهُ *** وَشَيْبَةَ تَنْعَاهُ وَتَنْعَى أَبَا جَهْلِ
وَذَا الرّجُلِ تَنْعَى وَابْنَ جُدْعَانَ فِيهُمُ *** مُسَلّبَةً حَرّى مُبَيّنَةَ الثّكْلِ
ثَوَى مِنْهُمْ فِي بِئْرِ بَدْرٍ عِصَابَةٌ *** ذَوِي نَجَدَاتٍ فِي الْحُرُوبِ وَفِي الْمَحْلِ
دَعَا الْغَيّ مِنْهُمْ مَنْ دَعَا فَأَجَابَهُ *** وَلِلْغَيّ أَسْبَابٌ مُرَمّقَةُ الْوَصْلِ
فَأَضْحَوْا لَدَى دَارِ الْجَحِيمِ بِمَعْزِلِ *** عَنْ الشّغَبِ وَالْعُدْوَانِ فِي أَشْغَلْ الشّغْلِ
فَأَجَابَهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ:
عَجِبْت لِأَقْوَامِ تَغَنّى سَفِيهُهُمْ *** بِأَمْرِ سَفَاهٍ ذِي اعْتِرَاضٍ وَذِي بُطْلِ
تَغَنّى بِقَتْلَى يَوْمَ بَدْرٍ تَتَابَعُوا *** كِرَامِ الْمَسَاعِي مِنْ غُلَامٍ وَمِنْ كَهْلِ
مَصَالِيتَ بِيضٍ مِنْ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ *** مَطَاعِينَ فِي الْهَيْجَا مَطَاعِيمَ فِي الْمَحْلِ
أُصِيبُوا كِرَامًا لَمْ يَبِيعُوا عَشِيرَةً *** بِقَوْمِ سِوَاهُمْ نَازِحِي الدّارِ وَالْأَصْلِ
كَمَا أَصْبَحَتْ غَسّانُ فِيكُمْ بِطَانَةً *** لَكُمْ بَدَلًا مِنّا فَيَا لَك مِنْ فعل
عقوقا وإثما بَيّنًا وَقَطِيعَةً *** يَرَى جَوْرَكُمْ فِيهَا ذَوُو الرّأْيِ وَالْعَقْلِ
فَإِنْ يَكُ قَوْمٌ قَدْ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ *** وَخَيْرُ الْمَنَايَا مَا يَكُونُ مِنْ الْقَتْلِ
فَلَا تَفْرَحُوا أَنْ تَقْتُلُوهُمْ فَقَتْلُهُمْ *** لَكُمْ كَائِنٌ خَبْلًا مُقِيمًا عَلَى خَبْلِ
فَإِنّكُمْ لَنْ تَبْرَحُوا بَعْدَ قَتْلِهِمْ *** شَتِيتًا هَوَاكُمْ غَيْرُ مُجْتَمِعِي الشّمْلِ
بِفَقْدِ ابْنِ جُدْعَانَ الْحَمِيدِ فِعَالُهُ *** وَعُتْبَةَ وَالْمَدْعُوّ فِيكُمْ أَبَا جَهْلِ
وَشَيْبَةَ فِيهُمُ وَالْوَلِيدَ وَفِيّهُمْ *** أُمَيّةُ مَأْوَى الْمُعْتَرِينَ وَذُو الرّجْلِ
أُولَئِكَ فَابْكِ ثُمّ لَا تَبْكِ غَيْرَهُمْ *** نَوَائِحُ تَدْعُو بِالرّزِيّةِ وَالثّكْلِ
وَقُولُوا لِأَهْلِ الْمَكّتَيْنِ تَحَاشَدُوا *** وَسِيرُوا إلَى آطَامِ يَثْرِبَ ذِي النّخْلِ
جَمِيعًا وَحَامُوا آلَ كَعْبٍ وذَبّبوا *** بِخَالِصَةِ الْأَلْوَانِ مُحْدَثَةِ الصّقْلِ
وَإِلّا فَبَيّتُوا خَائِفِينَ وَأَصْبِحُوا *** أَذَلّ لِوَطْءِ الْوَاطِئِينَ مِنْ النّعْلِ
عَلَى أَنّنِي وَاَللّاتِي يَا قَوْمُ فَاعْلَمُوا *** بِكُمْ وَاثِقٌ أَنْ لَا تُقِيمُوا عَلَى تَبْلِ
سِوَى جَمْعِكُمْ لِلسّابِغَاتِ وَلِلْقَنَا *** وَلِلْبِيضِ وَالْبِيضِ الْقَوَاطِعِ وَالنّبْلِ
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزّبَعْرَى السّهْمِيّ يَبْكِي قَتْلَى بَدْرٍ:
وَتُرْوَى ايضا لِلْأَعْشَى بْنِ زُرَارَةَ بْنِ النّبّاشِ
مَاذَا عَلَى بَدْرٍ وَمَاذَا حَوْلَهُ *** مِنْ فِتْيَةٍ بِيضِ الْوُجُوهِ كِرَامِ
تَرَكُوا نُبَيْهًا خَلْفَهُمْ وَمُنَبّهًا *** وَابْنَيْ رَبِيعَةَ خَيْرِ خَصْمِ فِئَامِ
وَالْحَارِثَ الْفَيّاضَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ *** كَالْبَدْرِ جَلّى لَيْلَةَ الْإِظْلَامِ
وَالْعَاصِيَ بْنَ مُنَبّهٍ ذَا مِرّةٍ *** رُمْحًا تَمِيمًا غَيْرَ ذِي أَوْصَامِ
تَنْمِي بِهِ أَعْرَاقُهُ وَجُدُودُهُ *** وَمَآثِرُ الْأَخْوَالِ وَالْأَعْمَامِ
وَإِذَا بَكَى بَاكٍ فَأَعْوَلَ شَجْوَهُ *** فَعَلَى الرّئِيسِ الْمَاجِدِ ابْنِ هِشَامِ
حَيّا الْإِلَهُ أَبَا الْوَلِيدِ وَرَهْطَهُ *** رَبّ الْأَنَامِ وَخَصّهُمْ بِسَلَامِ
فَأَجَابَهُ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيّ، فَقَالَ:
ابْكِ بَكَتْ عَيْنَاك ثُمّ تَبَادَرَتْ *** بِدَمِ تُعَلّ غُرُوبُهَا سَجّامِ
مَاذَا بَكَيْت بِهِ الّذِينَ تَتَابَعُوا *** هَلّا ذَكَرْت مَكَارِمَ الْأَقْوَامِ
وَذَكَرْت مِنّا مَاجِدًا ذَا هِمّةٍ *** سَمْحَ الْخَلَائِقِ صَادِقَ الْإِقْدَامِ
أَعْنِي النّبِيّ أَخَا الْمَكَارِمِ وَالنّدَى *** وَأَبَرّ مَنْ يُولِي عَلَى الْإِقْسَامِ
فَلِمِثْلِهِ وَلِمِثْلِ مَا يَدْعُو لَهُ *** كَانَ الْمُمَدّحَ ثَمّ غَيْرَ كَهَامِ
شِعْرٌ لِحَسّانِ فِي بَدْرٍ أَيْضًا
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيّ أَيْضًا:
تَبَلَتْ فُؤَادَك فِي الْمَنَامِ خَرِيدَةٌ *** تَشْفِي الضّجِيعَ بِبَارِدِ بَسّامِ
كَالْمِسْكِ تَخْلِطُهُ بِمَاءِ سَحَابَةٍ *** أَوْ عَاتِقٍ كَدَمِ الذّبِيحِ مُدَامِ
نُفُجُ الْحَقِيبَةِ بُوصُهَا مُتَنَصّدٌ *** بَلْهَاءُ غَيْرُ وَشِيكَةِ الْأَقْسَامِ
بُنِيَتْ عَلَى قَطَنٍ أَجَمّ كَأَنّهُ *** فُضُلًا إذَا قَعَدَتْ مَدَاكُ رُخَامِ
وَتَكَادُ تَكْسَلُ أَنْ تَجِيءَ فِرَاشَهَا *** فِي جِسْمِ خَرْعَبَةٍ وَحُسْنِ قَوَامِ
أَمّا النّهَارُ فَلَا أَفْتُرُ ذِكْرَهَا *** وَاللّيْلُ تُوزِعُنِي بِهَا أَحْلَامِي
أَقْسَمْت أَنْسَاهَا وَأَتْرُكُ ذِكْرَهَا *** حَتّى تُغَيّبَ فِي الضّرِيحِ عِظَامِي
يَا مَنْ لِعَاذِلَةِ تَلُومُ سَفَاهَةٌ *** وَلَقَدْ عَصَيْت عَلَى الْهَوَى لُوّامِي
بَكَرَتْ عَلَيّ بِسُحْرَةِ بَعْدَ الْكَرَى *** وَتَقَارُبٍ مِنْ حَادِثِ الْأَيّامِ
زَعَمَتْ بِأَنّ الْمَرْءَ يَكْرُبُ عُمْرَهُ *** عَدَمٌ لِمُعْتَكِرِ مِنْ الْأَصْرَامِ
إنْ كُنْت كَاذِبَةَ الّذِي حَدّثْتنِي *** فَنَجَوْت مَنْجَى الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ
تَرَكَ الْأَحِبّةَ أَنْ يُقَاتِلَ دُونَهُمْ *** وَنَجَا بِرَأْسِ طِمِرّةٍ وَلِجَامِ
تَذَرُ الْعَنَاجِيحَ الْجِيَادَ بِقَفْرَةِ *** مَرّ الدّمُوكِ بِمُحْصَدِ وَرِجَامِ
مَلَأَتْ بِهِ الْفَرْجَيْنِ فَارْمَدّتْ بِهِ *** وَثَوَى أَحِبّتُهُ بِشَرّ مَقَامِ
وَبَنُو أَبِيهِ وَرَهْطُهُ فِي مَعْرَكٍ *** نَصَرَ الْإِلَهُ بِهِ ذَوِي الْإِسْلَامِ
طَحَنَتْهُمْ وَاَللهُ يُنْفِذُ أَمْرَهُ *** حَرْبٌ يُشَبّ سَعِيرُهَا بِضِرَامِ
لَوْلَا الْإِلَهُ وَجَرْيُهَا لَتَرَكْنَهُ *** جَزَرَ السّبَاعِ وَدُسْنَهُ بِحَوَامِي
مِنْ بَيْنِ مَأْسُورٍ يُشَدّ وَثَاقُهُ *** صَقْرٍ إذَا لَاقَى الْأَسِنّةَ حَامِي
وَمُجَدّلٍ لَا يَسْتَجِيبُ لِدَعْوَةِ *** حَتّى تَزُولَ شَوَامِخُ الْأَعْلَامِ
بِالْعَارِ وَالذّلّ الْمُبَيّنِ إذْ رَأَى *** بِيضَ السّيُوفِ تَسُوقُ كُلّ هُمَامِ
بِيَدَيْ أَغَرّ إذَا انْتَمَى لَمْ يُخْزِهِ *** نَسَبُ الْقِصَارِ سَمَيْدَعٍ مِقْدَامِ
بِيضٌ إذَا لَاقَتْ حَدِيدًا صَمّمَتْ *** كَالْبَرْقِ تَحْتَ ظِلَالِ كُلّ غَمّامِ
فَأَجَابَهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ فَقَالَ
اللهُ أَعْلَمُ مَا تَرَكْت قِتَالَهُمْ *** حَتّى حَبَوْا مُهْرِي بِأَشْقَرَ مُزْبِدِ
وَعَرَفْت أَنّي إنْ أُقَاتِلْ وَاحِدًا *** أُقْتَلْ وَلَا يَنْكِي عَدُوّي مَشْهَدِي
فَصَدَدْت عَنْهُمْ وَالْأَحِبّةُ فِيهُمُ *** طَمَعًا لَهُمْ بِعِقَابِ يَوْمٍ مُفْسِدِ
وَقَالَ حَسّانُ بن ثَابت أَيْضا:
لَقَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ *** غَدَاةَ الْأَسْرِ وَالْقَتْلِ الشّدِيدِ
بِأَنّا حِينَ تَشْتَجِرُ الْعَوَالِي *** حُمَاةُ الْحَرْبِ يَوْمَ أَبِي الْوَلِيدِ
قَتَلْنَا ابْنَيْ رَبِيعَةَ يَوْمَ سَارَا *** إلَيْنَا فِي مُضَاعَفَةِ الْحَدِيدِ
وَفَرّ بِهَا حَكِيمٌ يَوْمَ جَالَتْ *** بَنُو النّجّارِ تَخْطِرُ كَالْأُسُودِ
وَوَلّتْ عِنْدَ ذَاكَ جُمُوعُ فِهْرٍ *** وَأَسْلَمَهَا الْحُوَيْرِثُ مِنْ بَعِيدِ
لَقَدْ لَاقَيْتُمْ ذُلّا وَقَتْلًا *** جَهِيزًا نَافِذًا تَحْتَ الْوَرِيدِ
وكل الْقَوْم قد وَلّوْا جَمِيعًا *** وَلَمْ يَلْوُوا عَلَى الْحَسَبِ التّلِيدِ
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
يَا حَارّ قَدْ عَوّلْت غَيْرَ مُعَوّلٍ *** عِنْدَ الْهِيَاجِ وَسَاعَةَ الْأَحْسَابِ
إذْ تَمْتَطِي سُرُحَ الْيَدَيْنِ نَجِيبَةً *** مَرْطَى الْجِرَاءِ طَوِيلَةَ الْأَقْرَابِ
وَالْقَوْمُ خَلْفَك قَدْ تَرَكْت قِتَالَهُمْ *** تَرْجُو النّجَاءَ وَلَيْسَ حِينَ ذَهَابِ
أَلَا عَطَفْت عَلَى ابْنِ أُمّك إذْ ثَوَى *** قَعْصَ الْأَسِنّةِ ضَائِعَ الْأَسْلَابِ
عَجِلَ الْمَلِيكُ لَهُ فَأَهْلَكَ جَمْعَهُ *** بِشَنَارِ مُخْزِيَةٍ وَسُوءِ عَذَابِ
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
وَيُقَالُ بَلْ قَالَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ السّهْمِيّ:
مُسْتَشْعِرِي حَلَقِ الْمَاذِيّ يَقْدُمُهُمْ *** جَلْدُ النّحِيزَةِ مَاضٍ غَيْرُ رِعْدِيدِ
أَعْنِي رَسُولَ إلَهِ الْخَلْقِ فَضّلَهُ *** عَلَى الْبَرّيّةِ بِالتّقْوَى وَبِالْجُودِ
وَقَدْ زَعَمْتُمْ بِأَنْ تَحْمُوا ذِمَاركُمْ *** وَمَاءُ بَدْرٍ زَعَمْتُمْ غَيْرَ مَوْرُودِ
ثُمّ وَرَدْنَا وَلَمْ نَسْمَعْ لِقَوْلِكُمْ *** حَتّى شَرِبْنَا رُوَاءَ غَيْرَ تَصْرِيدِ
مُسْتَعْصِمِينَ بِحَبْلِ غَيْرِ مُنْجَدِمٍ *** مُسْتَحْكَمٍ مِنْ حِبَالِ اللهِ مَمْدُودِ
فِينَا الرّسُولُ وَفِينَا الْحَقّ نَتْبَعُهُ *** حَتّى الْمَمَاتِ وَنَصْرٌ غَيْرُ مَحْدُودِ
وَافٍ وَمَاضٍ شِهَابٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ *** بَدْرٌ أَنَارَ عَلَى كُلّ الاماجيد
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
خَابَتْ بَنُو أَسَدٍ وَآبَ غَزِيّهُمْ *** يَوْمَ الْقَلِيبِ بِسَوْءَةٍ وفُضُوحِ
مِنْهُمْ أَبُو الْعَاصِي تَجَدّلَ مُقْعَصًا *** عَنْ ظَهْرِ صَادِقَةِ النّجَاءِ سَبُوحِ
حَيْنًا لَهُ مِنْ مَانِعٍ بِسِلَاحِهِ *** لَمّا ثَوَى بِمَقَامِهِ الْمَذْبُوحِ
وَالْمَرْءُ زَمْعَةُ قَدْ تَرَكْنَ وَنَحْرَهُ *** يُدْمِي بِعَانِدِ مُغْبَطٍ مَسْفُوحِ
مُتَوَسّدًا حُرّ الْجَبِينِ مُعَفّرًا *** قَدْ عُرّ مَارِنُ أَنْفِهِ بِقُبُوحِ
وَنَجَا ابْنُ قَيْسٍ فِي بَقِيّةِ رَهْطِهِ *** بِشَفَا الرّمَاقِ مُوَلّيًا بِجُرُوحِ
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَتَى أَهْلَ مَكّةَ *** إبَارَتُنَا الْكُفّارَ فِي سَاعَةِ الْعُسْرِ
قَتَلْنَا سَرَاةَ الْقَوْمِ عِنْدَ مَجَالِنَا *** فَلَمْ يَرْجِعُوا إلّا بِقَاصِمَةِ الظّهْرِ
قَتَلْنَا أَبَا جَهْلٍ وَعُتْبَةَ قَبْلَهُ *** وَشَيْبَةُ يَكْبُو لِلْيَدَيْنِ وَلِلنّحْرِ
قَتَلْنَا سُوَيْدًا ثُمّ عُتْبَةَ بَعْدَهُ *** وَطُعْمَةَ أَيْضًا عِنْدَ ثَائِرَةِ الْقَتْرِ
فَكَمْ قَدْ قَتَلْنَا مِنْ كَرِيمٍ مُرَزّإِ *** لَهُ حَسَبٌ فِي قَوْمِهِ نَابِهُ الذّكْرِ
تَرَكْنَاهُمْ لِلْعَاوِيَاتِ يَنُبْنَهُمْ *** وَيَصْلَوْنَ نَارًا بَعْدَ حَامِيَةِ الْقَمْرِ
لَعُمْرك مَا حَامَتْ فَوَارِسُ مَالِكٍ *** وَأَشْيَاعُهُمْ يَوْمَ الْتَقَيْنَا عَلَى بَدْرِ
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
نَجّى حَكِيمًا يَوْمَ بَدْرٍ شَدّهُ *** كَنَجَاءِ مُهْرٍ مِنْ بَنَاتِ الْأَعْوَجِ
لَمّا رَأَى بَدْرًا تَسِيلُ جِلَاهُهُ *** بِكَتِيبَةِ خَضْرَاءَ مِنْ بَلْخَزْرَجِ
لَا يَنْكُلُونَ إذَا لَقُوا أَعْدَاءَهُمْ *** يَمْشُونَ عَائِدَةَ الطّرِيقِ الْمَنْهَجِ
كَمْ فِيهُمُ مِنْ مَاجِدٍ ذِي مَنْعَةٍ *** بَطَلٍ بِمَهْلَكَةِ الْجَبَانِ الْمُحْرَجِ
وَمُسَوّدٍ يُعْطِي الْجَزِيلَ بِكَفّهِ *** حَمّالِ أَثْقَالِ الدّيَاتِ مُتَوّجِ
زَيْنِ النّدِيّ مُعَاوِدٍ يَوْمَ الْوَغَى *** ضَرْبَ الْكُمَاةِ بِكُلّ أَبْيَضَ سَلْجَجِ
وَقَالَ حَسّانٌ أَيْضًا:
فَمَا نَخْشَى بِحَوْلِ اللهِ قَوْمًا *** وَإِنْ كَثُرُوا وَأُجْمِعَتْ الزّحُوفُ
إذَا مَا أَلّبُوا جَمْعًا عَلَيْنَا *** كَفَانَا حَدّهُمْ رَبّ رَءُوفُ
سَمَوْنَا يَوْمَ بَدْرٍ بِالْعَوَالِي *** سِرَاعًا مَا تُضَعْضِعُنَا الْحُتُوفُ
فَلَمْ تَرَ عُصْبَةً فِي النّاسِ أَنْكَى *** لِمَنْ عَادُوا إذَا لَقِحَتْ كُشُوفُ
وَلَكِنّا تَوَكّلْنَا وَقُلْنَا *** مَآثِرُنَا وَمَعْقِلُنَا السّيُوفُ
لَقِينَاهُمْ بِهَا لَمّا سَمَوْنَا *** وَنَحْنُ عِصَابَةٌ وَهُمْ أُلُوفُ
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا، يَهْجُو بَنِي جُمَحَ وَمَنْ أُصِيبَ مِنْهُمْ
جَمَحَتْ بَنُو جُمَحٍ لِشِقْوَةِ جَدّهِمْ *** إنّ الذّلِيلَ مُوَكّلُ بِذَلِيلِ
قُتِلَتْ بَنُو جُمَحٍ بِبَدْرِ عِنْوَةً *** وَتَخَاذَلُوا سَعْيًا بِكُلّ سَبِيلِ
جَحَدُوا الْكِتَابَ وَكَذّبُوا بِمُحَمّدِ *** وَاَللهُ يُظْهِرُ دِينَ كُلّ رَسُولِ
لَعَنَ الْإِلَهُ أَبَا خُزَيْمَةَ وَابْنَهُ *** وَالْخَالِدَيْنِ وَصَاعِدَ بْنَ عَقِيلِ
شعر عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ فِي قطع رجله
وَقَالَ عُبَيْدَة بن الْحَارِث بن الْمطلب فِي يَوْمِ بَدْرٍ وَفِي قَطْعِ رِجْلِهِ حِينَ أُصِيبَ فِي مُبَارَزَتِهِ هُوَ وَحَمْزَةَ وَعَلِيّ حِينَ بَارَزُوا عَدُوّهُمْ
سَتَبْلُغُ عَنّا أَهْلَ مَكّةَ وَقْعَةٌ *** يَهُبّ لَهَا مَنْ كَانَ عَنْ ذَاكَ نَائِيَا
بِعُتْبَةَ إذْ وَلّى وَشَيْبَةُ بَعْدَهُ *** وَمَا كَانَ فِيهَا بِكْرُ عُتْبَةَ رَاضِيَا
فَإِنْ تَقْطَعُوا رِجْلِي فَإِنّي مُسْلِمٌ *** أُرَجّي بِهَا عَيْشًا مِنْ اللهِ دَانِيَا
مَعَ الْحُورِ أَمْثَالِ التّمَاثِيلِ أَخَلِصَتْ *** مَعَ الْجَنّةِ الْعُلْيَا لِمَنْ كَانَ عَالِيَا
وَبِعْت بِهَا عَيْشًا تَعَرّقْتُ صَفْوَهُ *** وَعَالَجْته حَتّى فَقَدْت الْأَدَانِيَا
فَأَكْرَمَنِي الرّحْمَنُ مِنْ فَضْلِ مَنّهِ *** بِثَوْبِ مِنْ الْإِسْلَامِ غَطّى الْمَسَاوِيَا
وَمَا كَانَ مَكْرُوهًا إلَيّ قِتَالُهُمْ *** غَدَاةَ دَعَا الْأَكْفَاءَ مَنْ كَانَ دَاعِيَا
وَلَمْ يَبْغِ إذْ سَأَلُوا النّبِيّ سَوَاءَنَا *** ثَلَاثَتَنَا حَتّى حَضَرْنَا الْمُنَادِيَا
لَقِينَاهُمْ كَالْأُسْدِ تَخْطِرُ بِالْقَنَا *** نُقَاتِلُ فِي الرّحْمَنِ مَنْ كَانَ عَاصِيَا
فَمَا بَرِحَتْ أَقْدَامُنَا مِنْ مَقَامِنَا *** ثَلَاثَتِنَا حَتّى أُزِيرُوا الْمَنَائِيَا
وورد عن ابْنُ هِشَامٍ ان قال لَمّا أُصِيبَتْ
رِجْلُ عُبَيْدَةَ قَالَ أَمَا وَاَللهِ لَوْ أَدْرَكَ أَبُو طَالِبٍ هَذَا الْيَوْمَ لَعَلِمَ أَنّي أَحَقّ مِنْهُ بِمَا قَالَ حِينَ يَقُولُ
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللهِ يُبْزَى مُحَمّدٌ *** وَلَمّا نُطَاعِنْ دُونَهُ وَنُنَاضِلْ
وَنُسْلِمُهُ حَتّى نُصْرَعَ حَوْلَهُ *** وَنَذْهَلُ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِلِ
فَلَمّا هَلَكَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ مِنْ مُصَابِ رِجْلِهِ يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيّ يَبْكِيهِ
أَيَا عَيْنُ جُودِي وَلَا تَبْخَلِي *** بِدَمْعِك حَقّا وَلَا تَنْزُرِي
عَلَى سَيّدٍ هَدّنَا هُلْكُهُ *** كَرِيمِ الْمَشَاهِدِ وَالْعُنْصُرِ
جَرِيءِ الْمَقْدِمِ شَاكِي السّلَاحِ *** كَرِيمِ النّثَا طَيّبِ الْمَكْسِرِ
عُبَيْدَةَ أَمْسَى وَلَا نَرْتَجِيهِ *** لِعُرْفِ عَرَانَا وَلَا مُنْكِرِ
وَقَدْ كَانَ يَحْمِي غَدَاةَ الْقِتَا *** لِ حَامِيَةَ الْجَيْشِ بِالْمِبْتِرِ
وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ يَبْكِي أَخَاهُ أَبَا جَهْلٍ
أَلَا يَا لَهْفَ نَفْسِي بَعْدَ عَمْرٍو
وَهَلْ يُغْنِي التّلَفّظُ مِنْ قَتِيلِ
يُخَبّرُنِي الْمُخَبّرُ أَنّ عَمْرًا أَمَامَ الْقَوْمِ فِي جَفْرٍ مُحِيلِ
فَقِدْمًا كُنْت أَحْسَبُ ذَاكَ
حَقّا وَأَنْتَ لِمَا تَقَدّمَ غَيْرُ فِيلِ
وَكُنْت بِنِعْمَةِ مَا دُمْت حَيّا
فَقَدْ خُلّفْت فِي دَرَجِ الْمَسِيلِ
كَأَنّي حِينَ أُمْسِي لَا أَرَاهُ
ضَعِيفُ الْعَقْدُ ذُو هَمّ طَوِيلِ
عَلَى عَمْرٍو إذَا أَمْسَيْت يَوْمًا
وَطَرْفُ مَنْ تَذَكّرَهُ كَلِيلِ
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ شَعُوبٍ اللّيْثِيّ وَهُوَ شَدّادُ بْنُ الْأَسْوَدِ
تُحَيّي بِالسّلَامَةِ أُمّ بَكْرٍ وَهَلْ لِي بَعْدَ قَوْمِي مِنْ سَلَامِ
فَمَاذَا بِالْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ
مِنْ الْقَيْنَاتِ وَالشّرْبِ الْكِرَامِ
وَمَاذَا بِالْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ
مِنْ الشّيزَى تُكَلّلُ بِالسّنَامِ
وَكَمْ لَك بِالطّوِيّ طَوِيّ بَدْرٍ مِنْ الْحَوْمَاتِ وَالنّعَمِ الْمُسَامِ
وَكَمْ لَك بِالطّوِيّ طَوِيّ بَدْرٍ
مِنْ الْغَايَاتِ وَالدّسُعِ الْعِظَامِ
وَأَصْحَابِ الْكَرِيمِ أَبِي عَلِيّ
أَخِي الْكَاسِ الْكَرِيمَةِ وَالنّدَامِ
وَإِنّك لَوْ رَأَيْت أَبَا عَقِيلٍ
وَأَصْحَابَ الثّنِيّةِ مِنْ نَعَامِ
إذَنْ لَظَلِلْت مِنْ وَجْدٍ عَلَيْهِمْ
كَأُمّ السّقَبِ جَائِلَةِ الْمَرَامِ
يُخَبّرُنَا الرّسُولُ لَسَوْفَ نَحْيَا
وَكَيْفَ لِقَاءُ أَصْدَاءٍ وَهَامِ
وَقَالَ أُمَيّةُ بْنُ أَبِي الصّلْتِ، يَرْثِي مَنْ أُصِيبَ مِنْ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ:
أَلَا بَكَيْت عَلَى الْكِرَا مِ بَنِي الْكِرَامِ أُولِي الْمَمَادِحْ
كَبُكَا الْحَمَامِ عَلَى فُرُو عِ الْأَيْكِ فِي الْغُصْنِ الْجَوَانِحْ
يَبْكِينَ حَرّى مُسْتَكِينَاتٍ يَرُحْنَ مَعَ الرّوَائِحْ
أَمْثَالُهُنّ الْبَاكِيَا تُ الْمُعْوِلَاتِ مِنْ النّوَائِحْ
مَنْ يَبْكِهِمْ يَبْكِ عَلَى حُزْنٍ وَيَصْدُقُ كُلّ مَادِحْ
مَاذَا ببدر فالعقنقل من مرازبة جَحَاجِحْ
فمدافع البرقين فالحنان من طرف الْأَوَاشِحْ
شُمْطٍ وَشُبّانٌ بِهَا لَيْلٍ مَغَاوِيرٍ وَحَاوِحْ
أَلَا تَرَوْنَ لِمَا أَرَى وَلَقَدْ أَبَانَ لِكُلّ لَامِحْ
أَنْ قَدْ تَغَيّرَ بطن مكة فَهِيَ موحشة الْأَبَاطِحْ
مِنْ كُلّ بِطَرِيقِ لِبطَرِيقِ نَقِيّ الْقَوْنِ وَاضِحْ
دُعْمُوصُ أَبْوَابِ الْمُلُو كِ وَجَائِبُ لِلْخَرْقِ فَاتِحْ
مِنْ السّرَاطِمَةِ الْخَلَا جِمَةِ الْمَلَاوِثَةِ الْمَنَاجِحْ
الْقَائِلِينَ الْفَاعِلِيينَ الْآمِرِينَ بِكُلّ صَالِحْ
الْمُطْعِمِينَ الشَّحْم فو ق الْخبز شحما كَالْأَنَافِحْ
نُقُلُ الْجِفَانِ مَعَ الْجِفَا نِ إلَى جِفَانٍ كَالْمَنَاضِحْ
لَيْسَتْ بِأَصْفَارِ لِمَنْ يَعْفُو وَلَا رَحّ رَحَاحْ
لِلضّيْفِ ثُمّ الضّيْفِ بَعْدَ [الضّيْفِ] وَالْبُسُطِ السّلَاطِحْ
وُهُبُ المئين مِنْ الْمِئِينَ إلَى الْمِئِينَ مِنْ اللّوَاقِحْ
سَوْقُ المؤبل للمؤبل صادرات عَن بَلَادِحْ
لِكِرَامِهِمْ فَوْقَ الْكِرَا مِ مَزِيّةٌ وَزْنَ الرّوَاجِحْ
كَتَثَاقُلِ الأرطال بالقسطاس فِي الْأَيْدِي الْمَوَائِحْ
خَذَلَتْهُمْ فِئَةٌ وَهُمْ
يَحْمُونَ عَوْرَاتِ الْفَضَائِحْ
الضاربين التقدمية بالمهندة الصّفَائِحْ
وَلَقَدْ عَنَانِي صَوْتُهُمْ مِنْ بَيْنِ مُسْتَسْقٍ وَصَائِحْ
لِلّهِ در بني عَليّ أَيّمٍ مِنْهُمْ وَنَاكِحْ
إنْ لَمْ يُغَيّرُوا غَارَةً شَعْوَاءَ تُجْحِرُ كُلّ نَابِحْ
بِالْمُقْرَبَاتِ الْمُبْعَدَا تِ الطّامِحَاتِ مَعَ الطّوَامِحْ
مُرْدًا عَلَى جُرْدٍ إلَى أُسْدٍ مُكَالَبَةً كَوَالِحْ
وَيُلَاقِ قِرْنٌ قِرْنَهُ مَشْيَ الْمُصَافِحِ لِلْمُصَافِحْ
بِزُهَاءِ أَلْفٍ ثُمّ أَلْفٍ بَيْنَ ذِي بَدَنٍ وَرَامِحْ
ولله در قوله يصف كيف ثبات الجنود في القتال غير متورعين الموت ولا مهابين اللقاء
ويلاقي قرن قرنه مشي المصالح للمصافح
بزهاء إلف ثم إلف بين ذي بدن ورامح
وهكذا الذي يقع ووقع في حرب الخرطوم أو معركة الكرامة أو بدر السودان وهو لقاء الفرسان من المسافة صفر كالذي وقع
في اليوم الأول في القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة.
وحتي نلتقي في الحلقة القادمة نستودعكم الله ودمتم في حفظ الله ورعايته آمنين والسلام





