في كل مرة يلوح فيها أمل، نتحمّس، نتكلم، نغرق في الوعود والخطط. نبدأ قويًا، ثم نتعثر، ثم نتراجع، وأخيرًا نبحث عن شماعة نعلّق عليها فشلنا: الظروف، الأوضاع، المؤامرات، الحظ... إلا نحن.
نحن بارعون في التحليل بعد الفشل، وبارعون أكثر في التهرّب من المسؤولية. ندفن رؤوسنا في رمال الأعذار، وننسى أن الفرص لا تنتظر طويلًا، ولا تأتي مرتين بالملامح ذاتها.
**فرصة... ثم ماذا؟
كم مرة مرّت على السودان فرص ذهبية لإحداث تحول اقتصادي أو سياسي أو إداري؟
مبادرات، مشاريع استثمارية، بوادر انفتاح إقليمي، دعم دولي، لحظات تاريخية كان يمكن أن نغيّر فيها مسار بلد بأكمله... لكنها جميعًا ضاعت لأننا لا نحسن التعامل مع لحظة "الفرصة".
نختلف قبل أن نبدأ. نُعيّن من لا كفاءة له، ثم نتفاجأ بالنتائج. نقفز للواجهة بخطاب حماسي، دون بنية تحتية جاهزة، ولا خطط مدروسة، ثم نرتبك حين تُطلّ الأسئلة الجادة.
**لماذا نخسر دائمًا؟ لأننا لا نُجيد التحضير!
الفرصة لا تعني شيئًا إن لم تكن هناك جاهزية.
تمامًا كالمطر الغزير الذي ينهمر على أرض غير مهيأة... يغمرها، لكنه لا يُثمر فيها.
نحن، في السودان، ما زلنا ندير الفرص بعقلية "الفرصة العابرة"، لا بمنهج "الاستثمار الاستراتيجي". ننتظر أن تُصنع لنا الظروف، لا أن نصنعها نحن.
نلوم الحصار، ولا نتحدث عن ضعف بيئتنا الداخلية. نلوم المانحين، ولا نراجع طريقة عرضنا للمشروعات. نلوم الجغرافيا، ولا نعترف بأن من يقف خلف الطاولة ليس مؤهلًا لإقناع أحد!
**الذهنية هي أصل المشكلة
في النهاية، كل شيء يعود إلى "الذهنية".
الذهنية التي ترى في التغيير خطرًا، وفي النجاح تهديدًا، وفي صاحب المبادرة منافسًا يجب كتمه.
ذهنية تُقدّس الرتابة، وتخاف من الطموح، وتُدير المؤسسات وكأنها مزرعة شخصية.
هذه الذهنية لا تصنع نجاحًا، حتى لو مُنحت ألف فرصة.
**كيف نكسر هذه الحلقة؟
ليس هناك حل سحري، ولكن هناك خطوات ضرورية:
نحتاج إلى نقد ذاتي شجاع. لا جلد للذات، بل مواجهة حقيقية مع أخطائنا المتكررة.
نحتاج إلى بناء عقلية جاهزة للفرصة. لا فقط عقلية متذمرة من الظروف.
نحتاج إلى أن نكافئ الكفاءة، لا الولاء. فالمؤسسات تنهض بالعقول لا بالعلاقات.
نحتاج إلى إدارات تفكر، لا تبرر. تصنع البدائل، لا الأعذار.
ختامًا:
الفرصة لا تطرق الأبواب كثيرًا. وإن فعلت، فلن تنتظر طويلًا حتى نُنهي خلافاتنا، أو نرتّب أوراقنا.
الفرصة تُحب من يركض نحوها، لا من يقف في مكانه يشتكي الطقس.
فلنتوقف عن لعن الظروف... ولنبدأ بسؤال أنفسنا: هل نحن مستعدون حقًا حين تأتي الفرصة القادمة؟ أم أننا سنخسرها، ونعود لنلومها؟!
بقلم: حمدي ميرغني
باحث في زمنٍ يحتاج إلى فِكر لا شعارات
