بقلم: حمدي ميرغني/ باحث في زمنٍ يحتاج إلى فِكر لا شعارات
نكتب عن الممكن... لأن السودان يستحق أكثر من أعذار.
في بلدٍ تحترق أطرافه بنيران الحرب، وتئن شوارعه تحت ركام الموت والنزوح والجوع، يطلّ علينا وجه آخر للكارثة: الظلم باسم الوطن.
لم تعد الحرب وحدها كافية لتهشيم ما تبقى من ثقة في المؤسسات أو الأمل في العدالة، بل ظهر من بين ركام الفوضى من نصب نفسه قاضياً وجلاداً، حاملاً سيف الاتهام في يد، ولوحة المفاتيح في اليد الأخرى.
في صفحات فيسبوك ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي ، تتوالى قوائم "المتعاونين مع مليشيا الدعم السريع"، قوائم يتداولها العامة كأنها أحكام قضائية مختومة. لا أحد يعرف من كتبها، ولا من جمع الأسماء، ولا ما الأدلة، فقط: اسم، مكان، وربما صورة، ويُلقى بصاحبها في أتون الشبهة والتخوين وربما الانتقام.
تختبئ وراء هذه المنشورات أسماء مستعارة، ألقاب وهمية، وربما نوايا صادقة في ظاهرها... لكن الطريق إلى الجحيم مفروش بالنيات الطيبة. كيف نثق في قائمة اتهام كتبها شخص لا يجرؤ حتى على كتابة اسمه؟ كيف نضمن أن أحد هؤلاء "المتهمين" لم يكن بريئاً فقط لأنه تشابه في الاسم أو لأنه اختلف مع صاحب الصفحة يوماً؟ أليس هذا عين الظلم الذي فررنا منه؟
الأخطر من ذلك، أن هناك من يلتقط هذه الشائعات من خلف الشاشات، من بيوت آمنة خارج حدود الوطن، ويُشارك في حفلة الاتهام كأنهم في مسرح دمٍ لا يمسهم. يُصدقون كل ما يُنشر، ينهشون في أعراض الناس، ويعيدون تدوير القيل والقال بلا أدنى مسؤولية. يتحدثون عن "الوطنيّة" من بعيد، بينما يساهمون في تمزيق النسيج الاجتماعي، وكأنهم يتلذذون بإحراق ما تبقى من روابط الثقة بين الناس.
وكم من فتياتٍ عفيفاتٍ نُهشن في سمعتهن، ووصمن بالخيانة والعار، فقط لأن اسماً ذُكر في منشورٍ بلا دليل؟! أليس هذا هو القذف الذي نهى عنه الدين وتوعّد فاعله؟ بل إن بيت النبوة نفسه لم يسلم من حادثة الإفك، حتى برّأ الله أم المؤمنين عائشة من فوق سبع سماوات.
"إِنَّ الَّذِينَ يُرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ"
(النور: 23)
أما أولئك الذين يصدقون هذه الشائعات ثم يختارون أن يبنوا مواقفهم عليها – مقاطعة، تخوين، إساءة، أو حتى إدانة صامتة – فإننا نقول لهم بوضوح وغضب: أنتم جزء من هذه الجريمة.
نعم، أنتم تشاركون في الظلم حين تصدقون بلا تثبّت، تحكمون بلا دليل، وتُشيحون بوجوهكم عن الضحايا وكأنهم مجرد "أضرار جانبية". متى أصبح الضمير رخيصاً إلى هذا الحد؟!
إن من ينشر الشائعة ظالم، ومن يُعيد نشرها شريك، ومن يُصدقها دون تثبّت... غافلٌ عن حجم الإثم الذي يشارك فيه.
لكن وسط هذه العتمة، يُحمد للأجهزة الأمنية والعدلية في السودان أنها تنبهت لهذه الموجة من الاتهامات المجهولة والمغرضة، ولم تنجر خلف منشوراتٍ لا تستند إلى قانون ولا تُبنى على دليل.
بل نُقل عن مصادر مسؤولة أن الجهات المختصة لا تعتدّ بأي بلاغ أو وشاية مصدرها مجهول أو منشور في وسائط التواصل، ما لم تكن هناك بيِّنات قانونية ومُستندات رسمية. وهذا ما يبعث الطمأنينة في نفوس المواطنين، ويُعيد الثقة بأن العدالة لا تُقام بالغضب، بل بالعدل.
في دول القانون، تُبنى التهم على تحقيق، وتُعرض الأدلة في محكمة، ويُمنح المتهم فرصة للدفاع. أما عندنا اليوم، فالحكم يصدر أحياناً ببوست، والتنفيذ يتم بـ"شير" و"لايك" ومزاجٍ غاضب.
لا شك أن هناك من خان هذا الوطن، وتواطأ مع القتلة والمليشيات، ويجب أن يُحاسب بمحكمة عادلة. لكن بين معركة العدالة ومعركة التشهير، هناك خيط رفيع، إذا انقطع، سنفقد جميعاً ما تبقى من ضميرٍ جماعي يمكن أن يُبنى عليه السودان الحبيب .
الخطر ليس فقط في ظلم الأفراد، بل في خلق بيئة يصبح فيها الكذب أداة، والخوف قانوناً، والشبهة حكماً نهائياً. حين يُتهم البريء ظلماً، لا يُظلم وحده، بل يُخدش ضمير المجتمع كله.
دعونا لا نؤسس لعهدٍ جديد من الظلم في ثوب جديد. دعونا لا نصنع سجناً آخر باسم العدالة، بينما نُغلق باب المحاسبة الحقيقية، ونفتح أبواب الفتنة والانتقام.
سودان الممكن لا يُبنى بالشائعات، ولا بالمجهولين، ولا بمحاسبة الناس من خلف الحدود، ولا بنهش أعراض العفيفات، بل يُبنى بالقانون، والعدالة، والحقيقة.
فكما أن الصمت على الجريمة خيانة، فإن الظلم باسم الوطن... خيانة أكبر.
