تحية إلى صامدي الأرض الذين لم يغادروا ولم ينهزموا
في زمن السقوط السهل، والانهيارات المجانية، هناك من اختاروا الصعب، لا لأنهم لم يخافوا، بل لأنهم خافوا على ما هو أغلى من الحياة: الكرامة.
هؤلاء ليسوا مجرد بشر بقوا في منازلهم، إنهم شهود الجغرافيا، حماة العنوان، وورثة الحيطان التي كتبت عليها أقدار الطفولة، وأسماء الأحبة.
لم يكتبوا منشورات عن البطولة، ولم يظهروا في نشرات الأخبار،
لكنهم كتبوا ملحمة صامتة، عنوانها:
"نحن هنا... رغم الحرب، رغم الموت، رغم الغدر، رغم الظلم... نحن هنا!"
سلاحهم: التجلّد... وخندقهم: عتبة البيت
ما الذي يجعل إنسانًا يختار البقاء في حيٍّ محاصر، تحت تهديد المليشيات والسكاكين والرصاص؟
ما الذي يجعله يتجرّع الإهانة، ويتحمل الشتائم، ويصبر على النهب... ثم لا يغادر؟
الجواب ليس سياسيًا ولا أمنيًا، بل روحيّ:
لأن البيت ليس فقط مكانًا للنوم، بل هو الذاكرة، والقبلة الأولى، والبكاء الأول، واسم الأب المكتوب على الباب.
لأنهم يؤمنون أن التنازل عن البيت هو التنازل عن الحكاية كلها.
لماذا إذًا يُتّهمون؟
بينما كان الصامدون يطفئون الحرائق بأيديهم، كان البعض من مسافات بعيدة يُطلق الاتهامات:
"لماذا لم تغادروا؟ أأنتم معهم؟ أأنتم منبطحون؟ أأنتم متواطئون؟"
تُهمٌ تُلقى بلا حساب، وكأنّ من نجا بنفسه يملك صكوك الوطنية!
وكأنّ البطولة الحقيقية تُقاس بعدد اللايكات، لا بدمعة أمٍّ وحيدة في حيٍّ محاصر.
يا من بقيتم في أماكنكم... لقد انتصرتم
أنتم الذين كنتم الملاذ الأخير للعلم، للصلاة، للجار الذي لم يجد ماءً، وللقطة التي مات صاحبها.
أنتم الذين لم تحملوا السلاح، بل حملتم الشجاعة الأخلاقية، التي هي أندر أنواع السلاح.
صمودكم لم يكن استعراضًا، بل كان مقاومة حقيقية.
صمودكم فضح خيانة المتاجرين بالوطن، والمتفرجين على الألم من شاشات بعيدة.
علّمونا أن الحرب ليست فقط في الجبهات، بل في المواقف
صمودكم أيها العظماء لم يكن عنادًا، بل وفاءً لما لا يُشترى ولا يُباع.
في عالم يُقايض كل شيء، اخترتم أن تبقوا بشرف، حتى لو كلفكم ذلك كل شيء.
إلى من سيكتب التاريخ غدًا
لا تنسوا أن هناك من ناموا على صوت الرصاص، وأيقظهم الجوع،
لا تنسوا أن هناك من طُعنوا، وواصلوا علاج جيرانهم،
من ضُربوا، ولم ينتقموا،
من اتُهموا، ولم يردّوا.
أولئك هم من يجب أن تُنحت أسماؤهم على حجارة المدن التي بقوا فيها.
الخلاصة: نحن لا ننتصر حين نغادر، بل حين نبقى
السودان اليوم يحتاج إلى أن يعرف أبطاله الحقيقيين...
ليسوا دائمًا في المعسكرات، بل في الأزقة، في الأحياء، خلف الأبواب المغلقة، عند العجائز الذين قالوا:
"نموت هنا، ولا نحيا غرباء."
حمدي ميرغني
باحث في زمنٍ يحتاج إلى فكر لا شعارات
