boushsd news boushsd news
recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

حمدي ميرغني يكتب: (النتيجة الاستثنائية).. شهادة نصر في زمن الانكسار

 

في عالمٍ تكسّرت فيه الأحلام على قارعة الحرب، ووُئدت الأمنيات في مهدها، يخرج علينا هذا اليوم، الخميس 1 مايو 2025م، كفجرٍ نادرٍ في ليلٍ طويل، يحمل بين أوراقه "النتيجة الاستثنائية" لامتحانات الشهادة السودانية المؤجلة للعام 2023، وكأنها وثيقة انتصار لطلابٍ قاتلوا بصبرهم، وآباء وأمهات صمدوا بحبهم، ومعلمين أدّوا واجبهم، ومسؤولين لم يخذلوا الوعد.


اليوم، لا نحتفل فقط بالأرقام... نحتفل بالقيمة.

لا نصفق للنتائج وحسب، بل ننحني تقديرًا لرحلة الوصول.


 الامتحان الذي تأخّر... لكنه لم يُلغَ

حين أعلن الوزير الراحل محمود سر الختم الحوري، وسط دخان الحرب وبكاء الخرائط، أن امتحانات الشهادة السودانية المؤجلة لعام 2023م ستُقام في عام 2024، استقبل البعض تصريحه كنوعٍ من التفاؤل السياسي... لكنّ إخوانه من بعده أوفوا  بوعده.


ورغم مرور عامين كاملين على موعدها الأصلي، ورغم أن العاصمة أُخذت رهينة، والمدارس تحوّلت إلى ملاجئ، والطلاب إلى نازحين، ودفاترهم إلى مقتنيات مهددة... إلا أن العزيمة انتصرت.


بدأ الإعداد لهذه المعركة التعليمية في سبتمبر 2024، بهدوء المتيقنين وجرأة من لا يملكون خيار الفشل.


الشهادة السودانية... معركة وطن

لم تكن مجرد امتحانات.

كانت معركة مؤسسات، وصمود أسر، وتحدٍ جماعي لأقسى الظروف.


أكثر من 2156 مركزًا امتحانيًا رغم الانفلات والخوف ونُدرة المواصلات.


52 مركزًا خارجيًا في دول الجوار والمهجر، بإشراف السفارات السودانية، بعد أن كانت لا تتجاوز الـ10 في السنوات الماضية، والفضل يعود لتعاون مشترك بين البعثات التعليمية والدبلوماسية.


معلمون تدافعوا لتأدية الواجب رغم تأخر الرواتب وشظف العيش.


أجهزة أمنية وإدارية حافظت على سرية الامتحانات، ونقلت الأوراق من ولاية إلى أخرى كأنها وثائق سيادية.


ولاية نهر النيل التي فتحت أبوابها لاستضافة أعمال الشهادة، فكانت بيت السودان في لحظة العراء.


 أسر تُنجز المعجزة

لا يُذكر هذا النصر دون أن نركع احترامًا للآباء والأمهات.

أولئك الذين خيّموا على أطراف المدارس، وبعضهم باع آخر ما يملك ليُعلّم ابنه أو ابنته.

أمهات أشعلن السُرج في خيام النزوح لأجل ساعة مذاكرة، وآباء غابوا عن الجبهات ليحملوا أبناءهم إلى قاعات الامتحان.

في كل ورقة إجابة، هناك قصة صبر لم تُكتَب بعد.


طلاب يكتبون اسم السودان من جديد

من بين الأنقاض، أشرقت أسماء... وأثبتت أن العقل السوداني لا يُهزم مهما اشتدت الخطوب.


الطالبة إسراء أحمد حيدر محمد أحمد، من مدرسة المتفوقات بنات – دنقلا، من ولاية الشمالية، حصلت على المرتبة الأولى بنسبة 97.1%، لتُعلن أن التفوق لا يحتاج إلا إلى بيئة حاضنة وإرادة لا تنكسر.


أسماء طارق أبو القاسم إبراهيم، من مدرسة طوارئ الجامعة الإسلامية بنات – الخرطوم، رغم الحصار والاحتلال والنزوح، تنتزع المرتبة الثانية بنسبة 97%، وتثبت أن الخرطوم، وإن جُرحت، لا تزال تنجب المتفوقات.


 الخارج... شهادة استثنائية في مؤتمر استثنائي

لأول مرة في تاريخ مؤتمرات إعلان الشهادة السودانية، تظهر "نتيجة المراكز الخارجية" بندًا رسميًا.

وهو اعتراف بأن أبناء السودان في المهاجر كانوا جزءًا من هذه الملحمة، وبأن الدول التي استضافت المراكز تستحق منا أكثر من الشكر.


تحية خاصة لـجمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية، ولكل دولة فتحت بابًا أو منحت تأشيرة أو قدّمت مقرًا مجانًا، فقط من أجل أن يجلس طالب سوداني لامتحانه في الزمن الصعب.


 الأمل يتقد من رماد الخراب

نسبة النجاح بلغت 69% في القسم الأكاديمي، رغم أن الظرف العام لا يوفّر الحد الأدنى من شروط الدراسة.


لكن ما تحقّق اليوم لا يُقاس فقط بالمعدلات، بل بالرسالة:

أن هذا الشعب، حين يقرر، لا تسقط عنه القضايا ولا تموت في وجدانه القيم.


ختامًا:

في زمن تُشعل فيه البنادق، قرّر السودان أن يُشعل شمعة علم.

في وقت يُراهن فيه البعض على نهاية الدولة، أعلنت الشهادة السودانية أن الدولة وإن جرحت... لم تمت.


هذه النتيجة ليست مجرد إعلان...

إنها وثيقة وطنية، توازي البيانات العسكرية، بل وتفوقها دلالة.

فمن يربّي عقلًا، أعظم ممن يفتح جبهة.

ومن ينجح في التعليم، ينجو من الهزيمة مهما طال أمد الحرب.


 حمدي ميرغني

باحث في زمنٍ يحتاج إلى فكر لا شعارات

عن الكاتب

boushsd

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

boushsd news