بقلم/ هشام عباس زكريا
دفقات من الحزن حطت على شواطئ الداخلة الحبيبة بمدينة عطبرة، وهي تخبر الجزر والنخيل وحلة (نبرو) و(النمر) و(نواوي)، وحي (السيمافور) و(التمرجية)، رحيل حبيب طالما عشق هذه الأمكنة وتعبَق من عطرها الفواح، ففي أمسية السبت 19/07/2025 رحل عن هذه الفانية أستاذنا البروفسير/ ياسين عمر يوسف القانوني المعروف وأستاذ القانون الدستوري، والقانون العام في الجامعات السودانية، مخلفاً الحزن والأسي ومرارة الفقد.
إن حياة الراحل أستاذنا البروفسير/ ياسين عمر يوسف قصة من العطاء، والعصامية، والرؤية العميقة، والوعي الباكر، بدأت منذ ميلاده في نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي وحتى رحيله أمس، ففور سماعي الخبر الأليم اتصلت بصديقه ورفيق دربه أستاذنا عبد المنعم أحمد عيسى معزياً في هذا الفقد الكبير، وامتدت المحادثة أكثر من ساعة كاملة، روي لي فيها محطات مضيئة من تاريخ الفقيد ونشأته الأولى التي بدأت منفتحة على المجتمع المحلي بالداخلة، ومساهاته المقدرة في تنمية المنطقة، منذ أن كان طالباً في المرحلة الثانوية.
كنا نسمع ونحن طلبة في مدرسة عطبرة الأميرية المتوسطة في الثمانينيات عن رجل عظيم عصامي بدأ عاملاً بسيطاً في السكة الحديد، ثم تدرج في التعليم حتى نال درجة الدكتوراه، وأتذكر أننا ذهبنا إلى نادي الجيل ونحن طلبة وشاهدنا شريطاَ مسجلا لمناقشته للدكتوراه وكان هذا أكبر محفز أن نذهب في ذات الطريق.
تخرج أستاذنا البروفسير/ ياسين عمر يوسف في كلية القانون بجامعة القاهرة فرع الخرطوم في العام 1964، ونال الماجستير في القانون العام في جامعة عين شمس في العام 1981 مبعوثا من ديون النائب العام، ثم الدكتوراه في القانون العام في العام 1984 من ذات الجامعة مبعوثاً من ديوان النائب العام بحكومة السودان. وكان قبل تخرجه في الجامعة (عاملاً) بهيئة السكة الحديد، ثم بعد ذلك أصبح موظفاً في إدارة الحركة والبضائع بالهيئة، وهي الفترة التي زامل فيها والدي المرحوم الحاج محمد عباس زكريا الذي كان شديد الاعجاب به، وظلا على علاقة وثيقة حتى الرحيل ، وعقب التخرج عمل بالإدارة القانونية بالسكة الحديد تابعا لديوان النائب العام، حيث عمل به مستشاراً قانونياً من العام 1965 وحتى العام 1989 ، وتدرج في عدد من الوظائف القانونية، وشغل منصب المحامي العام، والمدعي العام لجمهورية السودان، وعمل أيضاً في سودنة كلية الحقوق بجامعة النيلين بداية التسعينيات، و أستاذاً بها حيث نال درجة البروفسير في العام 1994،وله العديد من المؤلفات في مجال القانون والدستور مثل (استقلال السلطة القضائية)،(النظرية العامة للقانون الجنائي)، (شرح قانون الاجراءات الجنائية) ،وغير ذلك من المؤلفات القيمة التي تذخر بها المكتبة القانونية في السودان والعالم ، وتخرج على يديه الكثير من أساتذة القانون مشرفاً على رسائل الماجستير والدكتوراه داخل وخارج السودان، هذه بجانب عضويته للكثير من اللجان المهمة التي أحدثت تحولاُ كبير في تاريخ القانون السوداني.
إن شخصية أستاذنا البروفسير/ ياسين عمر يوسف يمكن النظر إليها من عدة نوافذ، فقد أبرز وعياً مبكراً بقضايا مجتمعه، وفي ذلك يقول أستاذنا عبد المنعم أحمد عيسى الذي نشأ معه في حي الداخلة، أنهم كونوا فريقاً باسم (الشاطئ) في بداية الخمسينيات بالحي، وصادف أن تم إصدار قرار من الحكومة بعدم ترقية أي عامل لا يعرف القراءة والكتابة ،كان ذلك في العام 1956 ،فاقترح عليهم الفتي الصغير الطالب بالمرحلة الثانوية ياسين عمر يوسف استئجار دار للنادي، وفتح فصول لمحو الأمية للذين لا يجيدون القراءة والكتابة من عمال هيئة السكة الحديد والمؤسسات الأخرى، يشارك فيها طلبة الثانوي والجامعات أثناء اجازاتهم، وفعلاً نجحت الفكرة، وزارهم مدير المديرية حيث أثني على النشاط المتميز، وتحول الاسم إلى نادي (الجيل) الحالي الذي كان الفقيد مؤسساً له وفق رؤية متقدمة بحيث يكون النادي ساحة للنشاط الثقافي والاجتماعي، لذا نبعت منه فكرة تأسيس نادي الأسرة الملحق بنادي (الجيل) ليخدم المرأة بالحي ،وهي فكرة سابقة لزمانها، عبًرت عن طول نظر وعمق رؤية أستاذنا الراحل البروفسير/ ياسين عمر يوسف.
لقد ظل أستاذنا البروفسير/ ياسين عمر يوسف هو القدوة في حي الداخلة لجيلنا والأجيال التي سبقتنا في تحصيل العلم، والتدرج الأكاديمي واستطاع أن يكون شخصية مؤثرة لبساطته واندماجه في المجتمع المحلي، فلم تغره نجاحاته ونجوميته، فكان من المعتاد أن تجده في سوق الداخلة الصغير يسعد بالأنس مع جيرانه وأهله ومرتادي السوق، فجسد التواضع سلوكاَ ومواقف يحفظها له أهل الداخلة الذين أحبوه من القلب، وكان يفتخر أن بدأ (عاملاً) بسيطا في هيئة السكة الحديد، وحدثني أستاذي عبد المنعم أحمد عيسى أنه كان مرافقا للبروفيسور ياسين في سفر إلى مدينة ود مدني في صالونه المخصص عندما كان مستشاراً قانونياً للسكة الحديد، فكانت أول زيارة في المدينة لزميل له سابق كان يعمل معه (عاملاً) في الهيئة وأصبح (ترزياً) في السوق الكبير، كانت هذه الزيارة أهم له من البرتوكولات واللقاءات واستقبالات علية القوم، هكذا عاش ورحل أستاذنا النبيل ياسين عمر يوسف.
لم التق البروفسير ياسين عمر يوسف في الجامعات والمناقشات العلمية كثيراً، لكني كنت التقيه في منزل شقيقه المرحوم رجل البر والإحسان والشهامة المرحوم خضر أبو الجيب، كان شديد الحب للعم خضر وأشقائه وشقيقاته، عظيم العطاء لأسرته ووطنه الصغير الداخلة ومدينته عطبرة ووطنه السودان، وامتد خيره لكافة انحاء العالم، فما هي القارة التي لا يوجد فيها تلاميذ وطلبة للبروفسير ياسين؟.
إن رحلة أستاذنا البروفسير/ ياسين عمر يوسف لا يمكن اختصارها في هذا المقال، لكنها قبس من القيم النبيلة والتواضع، وصورة زاهية للعالم الزاهد المتواضع المرتبط بمجتمعه، ونموذج للإرادة والعزم والصبر، ودفقات من الحكمة وحب الناس.
أختم بالعزاء لكل الوطن الكبير ولقبيلة القانونيين وللأهل في عطبرة والداخلة ولأسرته الكبيرة ممثلة في نادي الجيل وأشقائه الأفاضل هاشم وعبد الرحيم وأبنائهم، وأبناء عمنا الفاضل المرحوم خضر والمرحوم جعفر، والعزاء ممتد لأبنائه الأعزاء محمود وعمر (جدو) وأخواتهما، وزوجته الفاضلة، وكل عارفي فضل أستاذنا النبيل الجميل البروفسير الإنسان/ ياسين عمر يوسف.
ونذكر هنا قول الشاعر: -
في ذمة الله ما ألقى وما أجد
أهذه صخرة أم هذه كبد
قد يقتل الحزن من أحبابه بعدوا عنه فكيف بمن أحبابه فقدوا
اللهم إن أستاذنا البروفسير/ ياسين عمر يوسف في ذمتك، وحبل جوارك، فقه من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر له وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم.
