boushsd news boushsd news
recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

حمدي ميرغني يكتب: كل أجزائه لنا وطن

 


من جبل مرة حتى سواحل البحر الأحمر، من طين كادقلي إلى نخيل دنقلا، ومن بساتين القضارف إلى صحراء الشمال القاسية.. هذا الوطن قطعة من الروح، وامتداد لذاكرة الأجداد، وصورة لا تفارق خيال المحبّين. في كل زاوية منه حكاية، وفي كل شبر فيه دم سال ذات فجر دفاعًا عن الأرض والعِرض والانتماء. من قال إن الوطن جغرافيا؟ الوطن قلب ينبض باسمك حين تضيع، وأرض تفترشها وأنت مطمئن ألا أحد سيقتلعك منها. الوطن ليس هوية في بطاقة فقط، بل هو لحظة الفخر حين تقول "أنا سوداني".


قد نختلف، ونتجادل، ونتصارع، وقد نشهد أزمات وانقسامات، ولكن الحقيقة التي لا تقبل الجدل أن كل ذرة تراب في هذا البلد تسكننا، وتتسلل إلى أعماقنا دون استئذان. كل ريفه، كل قرية صغيرة لا تراها الخرائط، كل نهر صغير يتفرع من النيل ويعانق القرى في طريقه، كل غابة وصحراء وسهل وجبل... هو نحن. لا وطن لنا سواه، ولا نجيد عشقًا بعده، ولا نصلح منفيين عنه. الوطن هو أن تشعر أن هذه الأرض تعرفك، وتغفر لك حين تخطئ، وتغطيك حين تنكسر، وتداويك بصبرها حين تتعب. الوطن أمٌّ لا تغضب، وأبٌ لا يتخلى.


كم من مرة شكونا من حال الوطن، وصببنا عليه اللوم، ونسينا أن الأوطان لا تُشفى بالشتائم، بل تُشفى بالمحبة والعمل والوفاء. الوطن كالأم، لا يجب أن نغضب منها حين تجوع، بل يجب أن نحمل الجوع عنها، ونبحث عن لقمة تكفيها قبل أن نطلب منها ما نريد. الأوطان تُحب بصدق، حتى وهي متعبة، حتى وهي مُنهكة، حتى وهي مُثخنة بالجراح. نحبها حين تُقهر، ونغار عليها حين تُهان، ونتوق إليها حين نبعد. وهل ينسى العاشق وطنه؟ وهل يجحد المولود رحم أمه؟


في هذا الوطن رجال وقفوا في وجه الريح بأذرعٍ من إيمان، ونساء ربطن حجارة الصبر على بطونهن ليبقى الوطن حيًّا. في هذا الوطن جنود لم يكونوا يحرسون حدودًا فقط، بل يحرسون حلمًا قديمًا بأن تظل بلادنا خضراء لا تنكسر. في هذا الوطن معلمون علّموا في الظل وتحت الأشجار، وأطباء داووا الناس بلا دواء، وأمهات أنجبن أطفالًا وسط المعارك، وقالت كل واحدة منهن: "ابني للسودان".


بلادنا ليست مثالية، ولن تكون. ولكنها جميلة بعيوبها، لأنها ببساطة لنا. ولسنا ممن يبحثون عن وطن بديل حين تشتد العواصف، ولا ممن يحملون جوازاتهم في حقائب جاهزة للهروب. نحن من يعاند الرياح، من يقول في قلب الحرب "سنبقى"، من يفتح النوافذ في قلب الخراب ويغني: "يا بلدي يا حبوب".


بلادنا، التي قد لا تسعها أنظمة ولا تسعها سياسات، تسعها القلوب. تسعها البساطة التي تعيش في أهلنا، والكرم الذي يتوارثونه جيلًا بعد جيل. تسعها المِعزة في العيون، حين يرى أحدنا صورة للنيل أو لصحن ملوخية في الغربة فيدمع دون أن يدري لماذا. تسعها الدعوات في سجود الجدات، والتنهيدات التي نُطلقها حين نقول "سودانّا دا بس الله الحارسو".


حين نردد "كل أجزائه لنا وطن"، لا نقولها كقصيدة، بل كعهد أن لا نُفرّط، لا في أرض، ولا في نهر، ولا في جبل، ولا في إنسان. أن نكون أبناء لكل ربوعه، من أمدرمان حتى الفاشر، من الأبيض إلى حلفا، من كسلا إلى زالنجي. كلنا نُحب السودان بطريقتنا، ولكننا نتفق في شيء واحد: لا حياة لنا بلاه.


كل أجزائه لنا وطن… ليس لأننا نعيش فيه، بل لأنه يعيش فينا.

وإن متنا، نوصي بأن يُدفن شيءٌ منّا في تُربته، ليظل القلب ينبض هناك.. ولو تحت التراب.

عن الكاتب

boushsd

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

boushsd news