ذكرى الرحيل الثانية
كلمات في يوم رحيل الصديق العزيز البروفيسور مجذوب رحمة الله العامر..
في الأحساء الجميلة الوارفة بنخيلها شرقي السعودية جمعتنا سنوات الود والحب والدرب مع أخوة وأصدقاء أعزاء بجامعة الملك فيصل، صنعنا سوداناً جميلاً بناسه وعاداته وكل طقوسه، نجتمع في الأمسيات والعطلات ونمارس (السودانوية) كما يقول الصديق الأستاذ (اكليل) حتى النخاع. كانت من محاسن الصدف التي نحمد الله عليها كثيراً أن جمعنا بزملاء وإخوة من أجيال مختلفة وتخصصات متنوعة فأخذنا ونهلنا منهم، كان هناك رجل نادر على طريقته (كما يقول الطيب صالح)، هو الأخ العزيز الفاضل الذي رحل عنا اليوم الثلاثاء (18/7/2023) أستاذنا البروفيسور مجذوب رحمة الله العامر، والكتابة عنه تتضاءل أمام بحره الكبير من العلم والمعرفة والسمو والتواضع، والتسامح والتآلف والمحبة.
إن شخصية الراحل البروفيسور مجذوب العامر تشبه مسيرة الراحل البروفيسور عبد الله الطيب، فإن كان عبد الله الطيب قد جاء من (التميراب) إلى كلية الآداب، فإن مجذوب العامر جاء كذلك من نفس المنطقة، من (الفريع) بالدامر العريقة إلى كلية الآداب بجامعة الخرطوم التي تخرج فيها من قسم اللغة الإنجليزية منتصف السبعينيات، ثم ابتعثته الجامعة إلى بريطانيا ونال درجتي الماجستير والدكتوراه، وعمل لفترة بعد ذلك بجامعة الخرطوم، ثم عاد إلى بريطانيا وعمل أيضاً بأمريكا وكندا. وبعدها حطت به عصا الترحال بالجامعات السعودية التي عمل في عدد منها لفترة طويلة ، وكان الختام جامعة الملك فيصل التي غادرها عائداً للوطن في العام 2021. وقد ظل طيلة تلكم الفترة سفيراً مشرفاً لوطنه في ميادين المعرفة والعلم والتدريس الجامعي والترجمة.
مضى العالم الإنسان البروفيسور مجذوب العامر لربه بعد أن قال عملياً في حياته وتعاملاته أن العلم دوماً يقترن بالتواضع، وإن المثقف يتفاعل مع الآخرين ويستوعبهم مهما كانت أفكارهم، وأن الإنسان لا يرتهن للمواقف ولا يوصد الأبواب.كان رجلاً سهلاً يتغلغل في القلوب والأعماق، يحتفي بإنجازات الآخرين، يرى نفسه إنساناً عادياً رغم أن حياته أفقاً مليئاً بالإنجازات، رغم غيابه الطويل عن معشوقته مدينة الدامر إلا أنه يحدثك عنها كأنه غادرها بالأمس، يحكي عن أماكنها وشخوصها وظرفائها، وتشاء الأقدار أن يعود إليها ويقبر مع جده الشيخ المجذوب في الأرض التي أحبها وأحبته. لم تغره حياة التطواف والتجوال والعيش في أوروبا وأمريكا وكندا، فظل ذلكم الإنسان البسيط الوديع المتبتل في خلوة الشيخ المجذوب بالدامر، والمرتبط بأسرته وعائلته الكبيرة في وفاء نادر..
كان يحكي لي عن مشواره من (الفريع) إلى مدرسة الدامر الأميرية وحكايات العم المرحوم الحاج عبد الحفيظ صاحب البوفيه بالمدرسة، وزميله بالدراسة المرحوم مدني عبد الحفيظ، ثم بعد ذلك قصصه بمدرسة عطبرة الثانوية القديمة، ويا ليت زميله الأستاذ الإعلامي كمال حامد يحكي لنا عن تلكم الفترة التي تزاملا فيها.
برحيل البروفيسور الإنسان مجذوب العامر تنطوي سنوات تظل في الذاكرة، جلسنا وتسامرنا ونهلنا من علمه الزاخر، ومن سلوكه الراقي، وقفشاته الجميلة، ومؤانسته اللطيفة، ووده العميق، وهدوئه الساحر، وحكاياه المشبعة بقصص الإنسانية.
رحمك الله أستاذنا الفاضل البروفيسور مجذوب العامر، والعزاء لزملائك في كل الميادين، وأخص الإخوة بجامعة الملك فيصل بالأحساء، والأهل الأفاضل بالدامر ولأسرته، ولكل طلبته المنتشرين في بقاع العالم.
إنا لله وإنا إليه راجعون
