رغم اتساع المدن وتغير أنماط البناء والحياة، لا تزال بعض المظاهر القديمة تحفظ نكهة الجيرة السودانية الأصيلة. من بين هذه المظاهر، يبرز "النفاج" كعلامة فارقة تجسد روح المودة والتكافل التي لطالما ميزت المجتمعات السودانية، خصوصًا في الأحياء الشعبية.
"النفاج" – كما يعرّفه كبار السن – هو فتحة صغيرة تُنشأ في الجدار الفاصل بين بيتين متجاورين، تسمح بالمرور أو التواصل المباشر بين العائلتين، وتُعبّر عن حالة من الثقة العميقة والانفتاح التام بين الجيران أو حتى بين الإخوة الذين يسكنون متجاورين.
دي ما بس فتحة.. دي معناها أنا مفتّح ليك قلبي قبل بابي.
في المجتمع السوداني، لا يعد النفاج مظهرًا معماريًا فحسب، بل يعكس قيم التراحم، والإيثار، وحسن الجوار التي تشكل جزءًا من نسيج الحياة اليومية.
وقد حثّت الشريعة الإسلامية على هذه القيم في أكثر من موضع، حيث يقول الله تعالى:
"وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ..." [النساء: 36]
وفي الحديث النبوي الشريف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه." [رواه البخاري ومسلم]
*من الجار إلى الأخ.. النفاج رابط دم ومعنى:*
في كثير من الأحياء، لم يقتصر النفاج على الجيران فقط، بل أصبح وسيلة تواصل يومي بين الإخوة الذين اختاروا السكن متجاورين.
لكن الصورة ليست دائمًا مشرقة. فثمة من اختاروا إغلاق "النفاج" – ماديًا أو معنويًا – إما بفعل خلافات، أو بتأثر بأنماط حياة أكثر انعزالًا.
حين تُقفل الفتحات.. تنغلق القلوب
يروي أحد المواطنين – قصة حزينة، حيث قام أحد الإخوة ببناء جدارٍ عازل بينه وبين بيت شقيقه بعد خلاف مالي، وأغلق النفاج الذي ظل مفتوحًا لعقدين.
ما في أقسى من إنك تقفل على أخوك الباب والفتحة والقلب في نفس الوقت. النفاج لما يتقفل، العلاقة بتبرد.. وتبقى في مسافة صعبة ترجع تتردم.
ومن هنا، يرى علماء الاجتماع أن النفاج يتعدى كونه رمزًا للترابط، ليصبح مقياسًا حقيقيًا للعلاقات الأسرية والاجتماعية. إغلاقه – بغير سبب وجيه – قد يكون مؤشرًا على ضعف صلة الرحم أو فتور العلاقة بالجيران، وهي من الأمور المنهي عنها شرعًا.
دعوة لإحياء المعنى لا البناء فقط
رغم أن نمط البناء الحديث لم يعد يسمح بوجود "نفاج" بالمعنى الحرفي، إلا أن كثيرين يرون إمكانية استعادة روحه.
النفاج اليوم يمكن أن يكون في الهاتف، في الدعوة للعشاء، في السؤال وقت الغياب، في تقديم طبق وقت العيد. ما محتاج تبني فتحة، محتاج تفتح قلبك.
ختاما : النفاج ليس فقط ممرًا بين بيتين، بل هو جسر بين قلبين. وهو في الثقافة السودانية تجسيد فعلي لما يجب أن تكون عليه العلاقات بين الجيران، خاصة إذا كانوا من ذوي القربى.
ومع تعقيد الحياة، يظل السؤال مفتوحًا:
هل نحتاج اليوم لإعادة فتح "النفاج" بيننا – لا بالجدران، بل بالأخلاق والمودة؟
