boushsd news boushsd news
recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

من القاتل ومن المقتول


بقلم: زين العابدين الطيب عثمان 

حول مشهد يجرح الوجدان السوداني


من بين أكثر صور الحرب إيلامًا ليست فقط مشاهد الدمار ولا أصوات الرصاص، بل تلك اللحظات التي تنهار فيها القيم الإنسانية بالكامل. في أحد المقاطع المصوّرة لانتهاكات الحرب ظهر طفلٌ لم يتجاوز العاشرة من عمره أو هكذا بدا  وهو ينهال ضربًا على رجلٍ في الأربعين أو يزيد، مقيد اليدين يتوسل ويمتلى صوته بالرجاء لفك قيده

لكن الأكثر فظاعة والأشد قسوة أن هذا الرجل توفي خلال عملية التعذيب على يد الطفل نفسه، وهو أمر واضح في المقطع، ويكشف حجم الخراب القيمي الذي بلغ أقصاه.

إن هذا المشهد لا يجرح القلب فحسب، بل يخلع الإنسان من جذوره. فالسؤال هنا لم يعد فقط من القاتل ومن المقتول؟

بل أي حربٍ هذه التي تدفع طفلاً إلى أن يتحول إلى أداة قتل؟

وأي انحطاط إنساني يسمح بأن تُزهق روح رجل ضعيف أمام طفلٍ يُفترض أن يكون رمز البراءة؟

الألم الحقيقي في هذا المشهد مزدوج

الرجل الذي قُتل ظلمًا، والطفل الذي قُتلت طفولته قبل أن تمتد يده إلى جسد الضحية. فالحديث ليس فقط عن جريمة قتل، بل عن قتلٍ اكثر خطرا

هذا المشهد بكل ما فيه من قسوة يؤكد لنا أن ما نراه لا يحمل أي ملامح سودانية ولا يشبه إرث دارفور، ولا عادات المجتمعات السودانية مهما اختلفت بيئاتها. السودانيون لا يُربّون أطفالهم على الإيذاء، ولا يُقحمونهم في مشاهد العنف ولا يسمحون بانحطاطٍ يصل إلى هذه الدرجة من الانكسار الأخلاقي.

نحن اليوم كسودانيين قبل أن نكون حقوقيين مطالبون بإدانة واضحة وصريحة لهذه الانتهاكات. ليس فقط لنُظهر تضامننا مع الرجل الذي مات وهو يستغيث، بل لنحفظ صورة الإنسان السوداني من التشويه ولنعلن للعالم أن هذا السلوك شاذ، دخيل، ومفروض على مجتمعنا من فئات خارج إطار القيم الوطنية والإنسانية.

إن واجبنا الأخلاقي هو أن نقول بصوتٍ موحّد:

هذا ليس السودان.

وهذه الأفعال لا تمثلنا.

ومن يرتكبها ينتمي إلى الانهيار الأخلاقي لا إلى شعبٍ عُرف بالتسامح والتعايش والرحمة والشهامة.

وإن كان الرجل قد قُتل جسديًا في ذلك المشهد، فإن الطفل هو  الضحيةالحقيقية ضحية اغتيال مبكر لبراءته، وضحية حرب صنعت منه فاعلاً قبل أن يكون قادرًا على الفهم.

وبين هذا وذاك، يقف المجتمع كله متألمًا من حجم الخسارة.

ختامًا، إن الإدانة ليست خيارًا بل ضرورة وطنية أخلاقية، وإنسانية.

علينا أن نحمي معنى “السودانوية” من التشويه وأن نشهد أمام العالم بأن هذه الأفعال ليست منا، ولا تعبّر عنا، وأن ما فقده السودان في حربه ليس أرواحًا فقط بل قيمًا يجب أن نستعيدها قبل أي شيء.

عن الكاتب

boushsd

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

boushsd news