بقلم: زين العابدين الطيب عثمان
في ظلّ المأساة الإنسانية المتواصلة التي يعيشها الشعب السوداني منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تأتي خطوة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بشأن التحقيق وملاحقة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة في الفاشر وبارا والمناطق المحيطة بهما، كخطوة نوعية في مسار تحقيق العدالة الدولية، وتجديداً للأمل في إمكانية وضع حدٍ للإفلات من العقاب الذي طال أمده في السودان.
إنّ هذه الخطوة تمثل تطوراً محورياً يجب أن تحظى بالدعم والمساندة من الضحايا والشهود والمدافعين عن حقوق الإنسان والمجتمع المدني السوداني والإقليمي والدولي، لما تحمله من إمكانية فعلية لإرساء مبدأ المساءلة والملاحقة وعدم الإفلات من العقاب على الجرائم التي هزّت الضمير الإنساني.
لقد شكّلت الجرائم المرتكبة في إقليمي شمال وغرب دارفور نموذجاً صارخاً لانتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. فقد وثّقت منظمات محلية وإقليمية ودولية سلسلة من الانتهاكات الجسيمة، شملت القتل الجماعي، والاغتصاب المنهجي للنساء والفتيات، والإخصاب القسري، والتعذيب، والإخفاء القسري، وحرق القرى والمنازل، ونهب الممتلكات، وقطع الطرق، ومنع المساعدات الإنسانية والطبية عن المدنيين.
وفي مدن مثل الفاشر وبارا وكبكابية ونيالا، تحوّلت الحياة المدنية إلى مأساة شاملة بفعل الاستهداف العرقي والممنهج للمدنيين العُزّل. قُتل الأطفال في أحضان أمهاتهم، وأُحرقت الأسر داخل منازلها، وتعرّضت النساء والفتيات إلى انتهاكات جنسية مروّعة أمام أنظار الجميع فيما تحولت الأحياء والمساكن إلى مقابر جماعية تضم الشيوخ والمسنين وذوي الإعاقة. بل مُنع الناجون من دفن ذويهم في المقابر المخصصة، في انتهاك صارخ لكرامة الموتى وحقوق الإنسان الأساسية.
وقد تم تنفيذ هذه الجرائم على أيدي مجموعات مسلحة تابعة لقوات الدعم السريع، حسب المصادر الدولية فى سياسة منظمة تهدف إلى تفريغ مناطق بأكملها من سكانها الأصليين، وترهيب من تبقى منهم عبر حملات تطهير عرقي وتهجير قسري ونهب ممنهج.
تلك الأفعال لا يمكن تصنيفها إلا ضمن جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وربما الإبادة الجماعية، وفقاً لما نصّت عليه المادتان (7) و(8) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. كما تُعد هذه الانتهاكات خرقاً جسيماً لالتزامات السودان بموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية، وكذلك انتهاكاً صريحاً للمعايير الدولية لحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.
أهمية الخطوة الدولية :
إنّ مباشرة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لإجراءات التحقيق تمثل تجديداً لمسار العدالة الدولية تجاه الفظائع المرتكبة من قبل في نهر النيل -الجيلى -بحرى -أمدرمان -الخرطوم -مدنى -رفاعة - ودرعية - التكينة -طيبة - سنار -مايرنو - سنجة - الدمازين-ووووو .واستكمالاً للجهود
ومع تصاعد حجم الانتهاكات واتساع رقعتها الجغرافية، تكتسب هذه الخطوة أهمية أخلاقية وإنسانية عالمية، كونها تعبّر عن رفض المجتمع الدولي لاستمرار ثقافة الإفلات من العقاب، وترسيخ مبدأ عدم جواز التسامح مع الجرائم الجسيمة ضد الإنسانية، بغض النظر عن هوية مرتكبيها أو مواقعهم
نداء إلى الحقوقيين والضحايا والمجتمع الدولي
إن تحقيق العدالة لن يتم إلا من خلال تكاتف الجهود بين الضحايا والشهود والمدافعين عن حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني والإعلاميين، عبر توثيق الأدلة، وتقديم الشهادات، ودعم جهود الادعاء الدولي في فضح و ملاحقة الجناة ومحاسبتهم.
فالمعركة ضد الإفلات من العقاب ليست قضية سياسية فحسب، بل هي قضية أخلاقية وإنسانية ترتبط بحق الإنسان في الكرامة والحياة والأمان والعدالة.
إنّ الصمت على هذه الجرائم يُعد شكلاً من أشكال التواطؤ غير المباشر، بينما المشاركة في توثيقها ومتابعة مرتكبيها تمثل واجباً إنسانياً وأخلاقياً .
لن تتحقق العدالة في السودان ما لم يُقدَّم الجناة إلى المحاكم، ويُعاد الاعتبار للضحايا، وتُستعاد الكرامة الإنسانية التي دُمرت بفعل الحرب والانتهاكات الواسعة.
ومهما طال الزمن، فإن المساءلة قادمة، والعدالة لا تموت.
فلنتحد جميعاً من أجل الحقيقة، ومن أجل العدالة، ومن أجل عدم الافلات من العقاب.
