بقلم: زين العابدين الطيب عثمان
أمام ما يعيشه السودان من فظائع وانتهاكات جسيمة تطال المدنيين بلا تمييز، تتعاظم الدهشة بل الذهول من الموقف البريطاني المتراجع، الصامت، وغير المتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية التي يشهدها الشعب السوداني.
شعب ظل رغم إرث الاستعمار، يحمل قدراً من الود والاحترام لبريطانيا ويتوقع منها مواقف أخلاقية تليق بما تعلنه من قيم ومبادئ. لكنّ هذا الودّ يُقابَل اليوم ببرود سياسي مريب، وبصمت يكاد يرقى إلى التجاهل.
فبريطانيا، الدولة التي تُعد «حاملة القلم» في ملف السودان داخل مجلس الأمن أي الجهة المسؤولة عن صياغة وإدارة مسار القرارات المتعلقة بالسودان يفترض أن ترفع صوت الضحايا وتدفع بمسار حماية المدنيين. لكنها تبدو في الواقع أقرب إلى «حامية لحامل السلاح»، أو على الأقل متسامحة معه إلى حدّ يثير الأسئلة ويقوّض ثقة السودانيين في آليات العدالة الدولية.
وأحد الأمثلة الصارخة لهذا القصور يتجلى في الصمت تجاه أحد حاملي الجنسية البريطانية الذي تحوّل إلى منصة لنشر خطاب الكراهية والتحريض، وتبرير القمع والتعذيب والاغتصاب والقتل في السودان، مستخدما لغة عنصرية بغيضة لا تمت لقيم بريطانيا ولا لقوانينها بصلة. ورغم خطورة ما يصدر عنه وتأثيره المباشر في تأجيج العنف، لم نشهد أي خطوات جادة من الدولة التي ترفع راية حقوق الإنسان تجاه مساءلته أو الحدّ من استغلال جنسيتها كغطاء لإضفاء الشرعية على خطاب العنف والكراهية وإهانة الكرامة الإنسانية.
إنّ هذا الصمت البريطاني يتعارض بوضوح مع الالتزامات القانونية والأخلاقية لبريطانيا بموجب الاتفاقيات الدولية الأساسية لحماية المدنيين ومنع التحريض على العنف. ولذلك، فإننا نوجّه دعوة صريحة لبريطانيا كدولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، وكجهة مسؤولة عن ملف السودان لإعادة تقييم موقفها واتخاذ خطوات عملية تتناسب مع حجم مسؤوليتها الدولية.
كما ندعو المجتمع الدولي، بهيئاته ومؤسساته وتكتلاته الإقليمية، إلى مساءلة بريطانيا عن هذا القصور، وإلى اتخاذ موقف موحّد يضع حماية المدنيين فوق الحسابات السياسية الضيقة.
وليس اختيار هذا المثال اعتباطيًا، بل لأنه يعكس خللًا بنيويًا في منظومة الحماية الدولية، ويُظهر أن الصمت حين يكون متعمداً قد يتحوّل إلى مشاركة غير مباشرة في تطبيع الجريمة وتعزيز دائرة العنف.
ونقول قولنا هذا ونحن نضع أيدينا في يد كثير من الأصدقاء والزملاء والنشطاء في مجال حقوق الإنسان، والداعمين الحقيقيين لقضايا الشعوب المضطهدة، وعلى رأسهم العاملون هناك في منظمة العفو الدولية؛ لنعمل معًا من أجل عالمٍ خالٍ من الكراهية والتحريض، عالم تُصان فيه الكرامة ولا يُعاقَب فيه الضحية مرّتَيْن: بالجرم وبالصمت.
