(مقاربات)
د. مريم رضوان
حين يصنع العمل المسؤول الفارق: من القلق إلى الاستقرار
بمناسبة عيد الاستقلال الليبي، نتقدم بأصدق التهاني للشعب الليبي الشقيق، سائلين الله أن يديم على ليبيا أمنها واستقرارها.
عُرفت ليبيا عبر تاريخها الطويل باحترام حقوق مواطنيها والمقيمين على أرضها، وضمان استقرارهم، وحماية حقهم في التعليم ومعالجة قضاياه بوصفه حقًا أصيلًا لا يجوز التنازل عنه. يشكّل التعليم الركيزة الأساسية لمستقبل الطلبة، غير أنه في سياقات الصراع والنزوح يصبح أكثر هشاشة، إذ يتأثر بعوامل قانونية وإجرائية قد تحوّله من حق مضمون إلى هاجس قلق يومي للأسر.
في خضم هذه التعقيدات، كان ملف الإقامة أبرز الملفات الشائكة. سعى القنصل العام ببنغازي، أ. عبد الرحمن رحمة الله، جاهدًا لمعالجة هذا الملف لما يحمله من أبعاد قانونية وإنسانية تمس استقرار الأسر ومستقبل الدارسين بصورة مباشرة. وأدرك منذ البداية أن أي تأخير في حله قد يفاقم التداعيات على حياتهم التعليمية والاجتماعية واسعة الأثر. وهو تحدٍّ حقيقي للأسر السودانية المقيمة في ليبيا، خاصة تلك التي يدرس أبناؤها في المدارس الليبية منذ المراحل الأولى، ووصل كثير منهم إلى المرحلة الثانوية. والغالبية العظمى منهم مواليد ليبيا ولم يعرفوا منهجًا تعليميًا غيره، كذلك من الدارسين من النازحين الذين اكتملت إجراءاتهم بعد المعادلة.
ومنذ ربط وزارة التعليم الليبية مواصلة الدراسة بتوفّر الإقامة القانونية، بدأت موجة من القلق المشروع تسري وسط الأسر السودانية، بين احترام القانون والتوفيق بين شرط قانوني صعب التحقيق وحق الأبناء في التعليم. وتعقيدات استخراج الإقامة، التي لا تتيسر إلا لفئات محددة، خصوصًا المرتبطة بالجهات الحكومية، جعلت عددًا كبيرًا من الأسر في مأزق حقيقي. وكان البديل المطروح في حال عدم توفّر الإقامة هو حرمان الطلبة من الاستمرار في المدارس الليبية أو تحويلهم إلى مدارس أخرى، بما فيها المدارس السودانية، رغم اختلاف المنهج، وتباين البيئة التعليمية، والانقطاع النفسي والتربوي الذي قد يسببه هذا التحول القسري.
ولم يكن القلق نابعًا من الخوف من تطبيق القانون في حد ذاته، بل من غياب البدائل الواقعية التي تراعي خصوصية الدارسين السودانيين، الذين تشكّلت هويتهم التعليمية داخل المنظومة الليبية. فحرمان الدارسين في هذه المرحلة من الاستمرار في المسار نفسه يفضي إلى إعادة تشكيل إجباري لمسارهم التعليمي، بما يحمله ذلك من خسائر معرفية ونفسية يصعب تعويضها، ويهدد مسارًا تعليميًا كاملًا ومستقبلًا أكاديميًا بُني على سنوات من الاستقرار داخل المدارس الليبية.
وبفضل الجهود المتواصلة للقنصل العام أ. عبد الرحمن رحمة الله، والتنسيق المؤسسي مع الجهات الليبية المختصة، تم تجاوز هذا التحدي، وتُوِّجت هذه المساعي بنتائج إيجابية. جاء القرار مستندًا إلى مرجعيات قانونية وتنظيمية واضحة، ومعبّرًا عن مقاربة متوازنة تجمع بين سيادة الدولة واحترام القوانين، وبين البعد الإنساني وحماية حق التعليم، دون أن يفرغ قوانين الإقامة من مضمونها أو ينتقص من حق الدولة في تنظيم الوجود الأجنبي. ويُحسب للقرار أنه تعامل مع ملف الإقامة من زاوية الاستثناء الواعي لا التعطيل، فحافظ على هيبة القانون، وفي الوقت ذاته أقرّ بأن حق الدارسين في التعليم يسمو على التعقيدات الإجرائية، خاصة في الحالات التي يكون فيها الطالب غير مسؤول عن وضعه القانوني ولا يملك أدوات تغييره.
لقد أظهر تنفيذ هذا القرار أثرًا بالغ الأهمية على مستوى التعليم والاستقرار النفسي والاجتماعي للأسر السودانية. فمن الناحية التعليمية، حافظ القرار على استمرارية الطلبة في مدارسهم دون انقطاع، ومنع أي تحوّل إلزامي بين المناهج التعليمية، بما يضمن حفظ مسارهم الأكاديمي وعدم فقدان التوازن المعرفي. ومن الناحية النفسية والتربوية، استعاد الطلاب والطالبات استقرارهم داخل بيئتهم التعليمية المألوفة، مما حدّ من التوتر الذي يؤثر على التحصيل الدراسي. كما ساهم القرار في تخفيف الضغط النفسي على الأسر، وزيادة شعورها بالأمان، وتأكيد ثقتها في قدرة القنصلية السودانية على التعامل مع الملفات الحساسة بحكمة ومرونة.
وعلى المدى المتوسط والبعيد، منع القرار أي فجوة تعليمية محتملة قد تؤثر على التحاق الدارسين بالتعليم العالي، وحفظ لهم فرص القبول الجامعي، خصوصًا لأولئك الذين كانوا على أعتاب دخول الجامعة، مما يجعله إجراءً وقائيًا استراتيجيًا يحمي مستقبل الأبناء ويضمن لهم استمرارية تعليمية سليمة.
وحين يُدار القانون بعقل الدولة، يصبح عامل استقرار لا مصدر قلق، وتغدو حماية حق التعليم مسؤولية أخلاقية وحضارية تُقاس بها رقيّ الدول وعدالة مؤسساتها.

