كروان الموسيقى وسفير الفنون يُلٌوح بالوداع
بقلم: كمال إدريس
ارتخت الحناجر، وامتلأت المٱقي حزنا على رحيل الكروان الباحث الفنان الدكتور عبدالقادر سالم، لينهد جسر ٱخر من جسور الألفة والمودة بين أفراد الشعب السوداني، وحنجره مازالت تترنم إبداعاته العصية على النسيان.
ودع السودان أحد عمالقة الموسيقى الأصيلة، مُخلفاً وراءه إرثاً فنياً وأكاديمياً ضخماً شكَّل وجداناً جماعياً، ليس للسودانيين فقط، بل لكل من سمع نغمات كردفان عبر صوته.
فبرحيله، لا نخسر مجرد صوتٍ طروب، بل موسوعية نادرة تمشي على قدمين، جمعت الحس الفني والموهبة وعقل الباحث الأكاديمي المنظم، وروح السفير الذي حمل تراث وطنه إلى مسامع العالم.
نحو العالمية:
وُلد عبدالقادر سالم عام ١٩٤٦ في الدلنج بولاية جنوب كردفان، وهي المنطقة التي ستشكل المنبع الرئيسي لإلهامه الفني والبحثي طوال مسيرته. لم تكن رحلته عادية؛ فقد بدأ معلمًا، ثم التحق بالمعهد العالي للموسيقى والمسرح، ليتخرج حاملاً شهادة البكالوريوس ويؤسس لمسار فريد.
تميزت مسيرته الأكاديمية بأنها كانت امتدادا طبيعيا لفنه. فحصل على درجة الماجستير عام ٢٠٠٢ بأطروحة عن "الغناء والموسيقى لدى قبيلة الهبانية بجنوب كردفان"، ثم نال درجة الدكتوراه في الفنون (موسيقى) عام ٢٠٠٥ عن أطروحته العميقة "الأنماط الغنائية بإقليم كردفان ودور المؤثرات البيئية في تشكيلها". هذا الربط العضوي بين البحث العلمي والممارسة الفنية جعل من أغانيه توثيقاً حياً لتراث منطقته، يقوم على فهمٍ منهجيٍّ لا على مجرد تقليد.
إرث خالد:
ترك الدكتور عبدالقادر سالم للمكتبة الفنية السودانية والعالمية إنتاجاً غزيراً ومتنوعاً، منها أكثر من ٤٠ أغنية مسجلة في أرشيف الإذاعة السودانية، و١٠ أغنيات مصورة (فيديو كليب) محفوظة بالتلفزيون القومي، صورت معظمها في بيئة كردفان.
· ألبومات عالمية: مثل "نجوم الليل" (١٩٨٩)، و"أصوات السودان" (١٩٩٠)، و"خرطوم بلوز" (١٩٩٩)، و"وقف إطلاق النار" (٢٠٠٥)، والتي نشرت فن السودان على منصات عالمية.
· البصمة الإيقاعية: برع في إيقاع "المردوم" السوداني العريق، حتى أنه لُقب في أوروبا "بملك المردوم" لنشره هذا الإيقاع وتعزيزه هناك. كما أظهر تفوقاً في التلحين على مقام "البياتي" الشرقي، مزاوجاً بين الأصالة السودانية والعمق العربي.
سفير التراث:
لم يكن فن عبدالقادر سالم محلياً فحسب، بل حمل رسالة ثقافية إلى العالم. كان من المطربين السودانيين القلائل الذين حققوا حضوراً فنياً كبيراً في أوروبا منذ عام ١٩٨٤. وشارك في مهرجانات فنية رفيعة المستوى، منها:
· مهرجان "ليسيس كاليس" في فرنسا (٢٠٠٣)
· مهرجان السلام في برشلونة بإسبانيا (٢٠٠٤)
· مهرجان "أفريكا ريمكس" في بريطانيا (٢٠٠٥)
· مهرجان المشرق في السويد وأسبوع السودان في سويسرا (٢٠٠٦)
هذه الجولات جعلته سفيراً حقيقياً للأغنية والتراث السوداني، كما وصفه رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس في نعيه الرسمي.
رحل عبدالقادر سالم جسداً، لكنه بقي بقوة في كل نغمة خماسية تستحضر أصالة السودان، وفي كل بحث أكاديمي يستند إلى أطروحاته، وفي كل ذكرى لحفلة غنّى فيها للسلام والجمال. لقد حوّل تراث كردفان من مادة بحثية في الأوراق الأكاديمية إلى نبض حي في قلوب الملايين، وهذا هو الإرث الحقيقي الذي لا يرحل مع صاحبه.


