boushsd news boushsd news
recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

استقلال السودان: ذاكرة الحلم ووجع الواقع

مقاربات
د. مريم رضوان
استقلال السودان: ذاكرة الحلم ووجع الواقع.. صلاة لأرض السودان

في الأول من يناير 1956، بدأ السودان فصلًا جديدًا من تاريخه، يحمل معه أملًا صادقًا في وطن يضم كل أبنائه ويمنحهم الحرية والكرامة. ملبِّيًا تلك الرغبة العميقة المدفونة في وجدان السودانيين، ومحققًا أملًا طالما راود الجميع، كانت لحظته إيذانًا بانطلاق الحناجر تشدو باسمه، والأيادي ترفع لواءه خفاقًا في كل شبر من أرض السودان. شعورًا جارحًا بالانتماء يسري في العروق، ويقيم في الآهات، ويستقر في كل خاطر صادق.

سبعون عامًا نقف أمام تاريخ عظيم، لكنه اليوم مثقل بالجراح والتحديات، تجعل من الحلم الذي وُلد في تلك اللحظة مسؤولية مستمرة، تفرض علينا أن نعيد التفكير في معنى الدولة والوحدة، ورحلة لإحياء الوطن، لتحويل التباينات إلى قوة، والصراعات إلى فرص لبناء مستقبل مستقر، لإثبات أننا قادرون على إنقاذ ما ضاع من حلمنا الأول، وإعادة السودان إلى الطريق الذي يستحقه أبناؤه.

سبعون عامًا لم يكن الطريق مستقيمًا، ولا الحلم مكتملًا، إنما ظل الاستقلال في كثير من مراحله فكرةً تتقدم خطوة وتتراجع خطوات. بين طموح شعب وصراعات سلطة، بين أمل البناء وواقع الانقسام. لقد كان الأمل نورنا الذي يحدونا، آمنّا بعالم أفضل، ومهّدنا الأرض وأحييناها جذورًا ضاربة في عمق هذه التربة، ومجتمعًا كاملًا صنع ذاته بالعمل والصبر والانتماء، وبحلم جميع القرى والمدن، النيل والصحراء، والتنوع والاختلاف في وطن واحد.

غير أن الحلم كلما حاول أن يكتمل اصطدم بعثرات قاسية، حتى جاءت الحرب الأخيرة كزلزال ضرب جوهر الدولة وكسر الاستقرار. أُجبرنا على ترك ديارنا وأحلامنا معًا، وتشتت الشمل بين لاجئ ونازح، وبين قلب معلق بالوطن وجسد بعيد عنه. ورغم قسوة المنفى لم نفقد بوصلتنا، حملنا السودان معنا حيثما ذهبنا: في لهجتنا، في قيمنا، في تضامننا مع بعضنا البعض. تمسكنا بهويتنا، وصُنّا مثلنا العليا، ورفضنا أن تتحول الحرب إلى تعريف جديد لنا، فالاستقلال الحقيقي هو القدرة على الحفاظ على معنى الوطن في زمن الانكسار.

وفي عروقنا، يا سودان، ما زال ذلك النبض حيًّا، وفي آهاتنا يقيم الوطن رغم الوجع، وفي كل خاطر مكسور وعد بالعودة. ما زلنا أحياء، وما زال الرجوع إلى الوطن ممكنًا، لأن الأوطان التي تسكن القلوب لا تموت مهما طال الفراق.

تمر الأعوام، ويعود إلينا هذا الاستقلال مثقلًا بأسئلة موجعة: ماذا تبقى من ذلك الحلم؟ وكيف لوطن نال حريته أن يقيّد أبناءه بالحرب والنزوح والفقد؟

نحتفل اليوم بذكرى الاستقلال، والحرب على مشارف عامها الرابع، كأن الزمن توقف عند وجع واحد لا يريد أن ينتهي.

نحيي الذكرى ونحن في شتات قاسٍ، مبعثرون في كل البلاد، لكننا متحدون في الحنين. نحمل الوطن في الذاكرة، ونردد أناشيدنا الوطنية كأنها آخر ما تبقى لنا منه، ما زالت تسكننا، تذكرنا بأن لنا وطنًا يستحق الحزن عليه.

مرت علينا أعوام ثقيلة، لكننا بقينا واقفين، نكمل الطريق بما تبقى من صبر، ونواجه القسوة بيقين في الله، مدركين أن القدرة على الاستمرار رغم الانكسار هي شكل صامت من أشكال الصمود. لم ننهزم، لأن هذا الشعب لا تكسره المحن.

الاستقلال الحقيقي أن يعود الأمان إلى البيوت، ويستعيد الإنسان حقه في حياة عادية بلا خوف، وفي وطن لا يخذله.

نصل إلى نهاية عام آخر محمّلين بتعب النهايات، ومعلّقين على أمل البدايات، نرجو أن يكون القادم أرحم، لأننا نستحق وطنًا أقل قسوة، وغدًا لا يشبه هذا الخراب.

واليوم، في ذكرى الاستقلال، نرفع رايتنا وقلوبنا مثقلة، وألسنتنا معلّقة بين الفخر والحزن. نرفعها لا احتفالًا، إنما عهدًا متجددًا بألا نتخلى عن هذا الوطن مهما طال الألم، ومهما تكسرت الأحلام. لأن البكاء على الوطن أعلى درجات الوفاء؛ نبكيه ونحن واقفون لا منكسرون، حتى حين خذلنا الواقع ولم نخذله يومًا. نبكي لأننا ما زلنا نحب هذا الوطن كما هو في دواخلنا، نحزن لأن في قلوبنا سودانًا أنقى، أعدل، وأجمل من هذا المشهد القاسي، ونتألم لأن الاستقلال الذي نحمله في الذاكرة أوسع من الحرب، وأطهر من الدمار، وأبقى من كل العابرين على جراحه.

ومع بداية عام جديد، لا نطلب المعجزات، فقط أن يربط الله على القلوب، وأن يتحول هذا الحزن إلى قوة، وهذا الوجع إلى أمل، وأن يعود السودان يومًا كما حلمنا به: أرضًا آمنة، وإنسانًا كريمًا، وسلامًا لا ينكسر، ويستقل حقًّا.

عن الكاتب

boushsd

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

boushsd news