boushsd news boushsd news
recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

اليتيم.. المقياس الذي تسقط عنده المجتمعات

 


"فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ"

الضحى : (9) 

من بين كل أشكال الظلم التي يمكن أن يرتكبها الإنسان، يظلّ ظلم اليتيم من أبشعها، لأنه لا يعتدي على القوة، بل على الضعف. لا يواجه الندّ، بل يستقوي على من لا ناصر له.

ولذلك، حين أراد الله أن يُعرّف خطورة القسوة والانحراف الأخلاقي، قال:

"كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ"

 الفجر: (17)

فالمجتمع الذي لا يُكرم اليتيم، لا يُكرم إنسانيته، ولا يُحسن إلى مستقبله، ولا يعرف إلى أين يسير.


من قهر اليتيم... إلى نسيانه

في مجتمعنا، ظلم اليتيم لم يعد قهرًا صريحًا فقط، بل نسيانًا منهجيًا.

يُترك في أطراف الحياة: خارج دوائر القرار، خارج مؤسسات الدعم، وحتى خارج مجال الحديث.

لا يُنظر إليه كشريك في الوطن، بل كحالة إنسانية تُعامل بـ"الشفقة العابرة"، لا بالعدالة الدائمة.

ينشأ اليتيم على شعورٍ دفين بأنه غير محسوب، غير منظور، غير معنيّ بما يُقال عن "المستقبل الأفضل".

هذا الإقصاء الهادئ هو أبشع أنواع الظلم، لأنه لا يُرى، ولا يُدان، لكنه يترك اليتيم محطمًا من الداخل، بوجهٍ مبتسم أحيانًا، لكن بقلبٍ يتآكل كل يوم.


ظلم المجتمع... حين يصمت الجميع

الحديث عن ظلم اليتيم لا يتوقف عند المؤسسات الرسمية، بل يتعمق أكثر في ضمير المجتمع نفسه.

كم من عائلة أوصى الأب برعاية أطفاله، فإذا بالأقارب يختلفون على الإرث قبل أن يُسجّل الوفاة رسميًا؟

كم من يتيمٍ أُخرج من بيت أبيه بذريعة "التوفير"، بينما الحقيقة أن الطمع في المنزل هو المحرك؟

كم من فتاة يتيمة تُعامل في بيت عمّها كخادمة لا كابنة؟

كم من يتيم حُرم من المدرسة لأن الكفيل قال: "ما عندنا ليهو مصاريف، دا ولد ما لينا"؟

كم من أصحاب القربى تنصلوا من الحضانة بحجة الظروف، بينما لا يزالون يحتفلون على موائد فاخرة؟

ظلم اليتيم ليس دائمًا بالضرب أو الطرد... أحيانًا يكون بالتجاهل، بالتقليل، بالمعاملة التي تُشعره بأنه ناقص.


سوابق التاريخ... حين سقطت الأمم بظلم اليتيم

يروي التاريخ أن كثيرًا من المجتمعات سقطت لا بسبب الهزائم العسكرية، بل بسبب الهزائم الأخلاقية.

وكان ظلم اليتيم فيها أول علامة على فساد القيم.

قوم ثمود كانوا يبطشون بالضعفاء، فأخذهم الله أخذةً واحدة.

المجتمعات الجاهلية كانت تفتخر بالقوة وتحتقر الأيتام، فجاء الإسلام يُعلن أن من يعقّ اليتيم، فهو كمن يُكذّب بالدين.

قال الله تعالى:

"أرأيتَ الذي يُكذّب بالدين، فذلك الذي يدُعُّ اليتيم"

 الماعون: (1-2)

أي أن من يظلم اليتيم... ليس فقط فاسدًا، بل مكذّبًا بالدين ذاته، وإن صلّى وصام


التغيير يبدأ من سؤال واحد: ماذا أفعل أنا؟

التغيير لا يأتي بقرار مركزي فقط، بل يبدأ منّا.

من المعلم الذي لا يُهين تلميذًا لأنه يتيم.

من الجار الذي لا يشيح بوجهه عن فتاة يتيمة تحتاج إلى حماية.

من المسؤول الذي يُدرك أن قضية اليتيم ليست ملفًا، بل قضية وجودية ومجتمعية وأخلاقية.


ختامًا: حين يُكرم اليتيم، يكرم الله أمة بأكملها

من أراد أن يعرف هل مجتمعه بخير أم لا، فلينظر في وجه يتيم في حارته.

هل هو باسم؟ أم منطفئ؟

هل يشعر بأنه جزء من الناس؟ أم بقاياهم؟

هل سمع اليوم كلمة طيبة؟ أم سمع الإهانة مرتين؟

حين يبتسم اليتيم، تبتسم معه السماء.

*بقلم: حمدي ميرغني

عن الكاتب

boushsd

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

boushsd news