boushsd news boushsd news
recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

حمدي ميرغني يكتُب: حين تُصبح الحياة نفسها في طابور الانتظار



سيدي والي ولاية الجزيرة،

نكتب إليكم اليوم لا من باب التذمّر، ولا بلغة الاتهام، بل من واجب الكلمة الصادقة حين تكون الأرواح مهددة، والأمل معلقاً بين جهاز لا يعمل، وطبيب غير موجود، ومركز صحي لا يتجاوز في إمكانياته غرفة انتظار.


في شمال ولاية الجزيرة، وبخاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، تزداد حالات الوفاة لأسباب كان يمكن تداركها لو وُجدت عناية مركزة، أو طبيب طوارئ، أو جهاز تشخيص بسيط، أو حتى أنبوبة أكسجين في وقتها المناسب. معظم الحالات التي تُفقد، لم تكن ميؤوساً منها، لكنها واجهت موتاً بطيئاً بسبب نقص المستلزمات، وغياب الطواقم الطبية، وافتقار المراكز الصحية لأدنى مقومات التدخل الطبي السريع.


الهجرة الواسعة للكوادر الصحية أفرغت المستشفيات الطرفية من الروح، لا من الموظفين فقط. أصبح المركز الصحي مكاناً للتسكين المؤقت للألم، لا للعلاج، بينما تتصاعد الأرقام بصمت في دفاتر الوفيات، وتظل الأسر في حزن دائم لأن ابنهم أو والدهم أو أمهم، كان يمكن أن يُنقذ.


لقد سعى نفر كريم من أهل هذه المناطق و معهم بعض المبادرات الخيّرة ، إلى تقديم مقترح واضح ومتكامل لتأهيل مستشفى جياد الصحي، وتم إعداد دراسة مستفيضة للوضع الصحي في المنطقة، وتحليل للكثافة السكانية، وتركيبة المجتمع التي تضم إثنيات متعددة، ما يُضفي على المشروع بُعداً اجتماعياً وإنسانياً إضافياً، خاصة في ظل هشاشة الواقع العام، وتصاعد نعرات التمييز في لحظات كثيرة من هذه الحرب.


لم يطالبو ببناء مستشفى جديد، ولا ميزانيات خيالية، بل اقترحو  استلام المستشفى القائم وتأهيله، ولو على مراحل. لكن إلى الآن، ما زال الحلم في خانة الانتظار، في الوقت الذي لا يملك فيه المرضى رفاهية الانتظار.


ما نطالب به اليوم ليس ترفاً، بل ضرورة قصوى.

أن تُفعّل مراكز الرعاية الأساسية، أن تصل خدمات تطعيم الأطفال ومتابعة الحوامل ومراقبة الأمراض المزمنة إلى كل قرية، أن يكون هناك طبيب أسرة، وصيدلية تخص التأمين الصحي ، وأجهزة تشخيص في الحد الأدنى.


المريض في شمال الجزيرة لا يطلب معجزة، بل يريد أن يجد دواء الضغط والسكر في المركز القريب منه، لا أن يقطع عشرات الكيلومترات ليتفاجأ أنه غير متوفر. يريد أن تطمئن الأم على حملها دون أن تُخاطر بطفلها لأنها لا تملك ثمن المواصلة إلى أقرب طبيب. يريد كبار السن أن يُعاملوا باحترام، لا أن تُترك ملفاتهم معلقة إلى ما بعد الطوارئ.


نخاطبكم اليوم يا سيدي، لأن الوقت لا يحتمل التأجيل، والوجع بلغ مداه. نرجو أن تُفتح ملفات الصحة في شمال ولاية الجزيرة لا من باب الإجراء الإداري، بل من باب الاستجابة الإنسانية العاجلة. وأن تتوجه إرادتكم السياسية الصادقة نحو تأهيل ما يمكن تأهيله الآن، وأول ذلك مستشفى جياد الصحي الذي قد يكون الفرق بين الحياة والموت لآلاف المواطنين البسطاء.


نثق في أنكم تدركون أن أبسط أشكال العدالة هي أن يحصل المواطن على حقه في الحياة، لا أن يُمنح الموت بالتقسيط على أسرّة مهترئة.


هذه ليست مطالبة بخدمة... بل استغاثة من وطن يُريد أن يبقى حيّاً.


حمدي ميرغني – كاتب يرى أن إنقاذ حياة الإنسان ليس مطلبًا... بل التزام دولة.

عن الكاتب

boushsd

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

boushsd news