لم تكن الأرض مجرد تربة مشينا فوقها حفاة في الطفولة..
كانت رحمًا ثانٍ بعد الأم، ننهل منه الطمأنينة، ونغرس فيه براءتنا، ونناديه بأسمائه المحببة: الحلة، الفريق، التُرْعة، الحيشان، الحارة، السوق، الزقاق، المدرسة، الساحة… كلُّها أوطان مصغرة رعتنا قبل أن نكبر، وأطعمتنا قبل أن ندرك كيف يُزرع القمح، ودثّرتنا قبل أن نعرف كيف يُنسج القماش.
كيف نبيع وطنًا شربنا من مائه قبل أن نعرف حروف الماء؟
كيف نخونه وقد حفظ أسماءنا قبل أن نُسجَّل في السجلات؟
كيف نساوم عليه وهو الذي أسّس فينا الرجولة، والشهامة، والخجل من الطمع، والغيرة على العرض، والنخوة في الشدة؟
رعتني أرضها طفلًا، حين كنت أركض حافيًا على الطرقات المبللة بمطر الشتاء،
حين كنت أغفو على حجر جدتي وهي تسرد لي "حجاها" عن البطولة والكرم،
حين كنت أُطلق ضحكتي في السوق الصغير دون أن يسألني أحد: من أنت؟
كلهم كانوا أهلي، وكل الزوايا كانت بيتًا، وكل الأفواه كانت تغني: البلد بلدنا، ونحن سيادها.
كبرت، وكبرت البلاد داخلي. لم أعد ذلك الطفل، لكن البلاد لم تكف عن رعايتي.
حين ضاقت عليّ الدنيا، كانت هي المساحة الوحيدة التي تقبلني بلا شروط.
حين أخطأت، غفرت لي.
وحين أصبت، صفقت لي.
وحين تعبت، احتضنتني.
فكيف، بالله عليكم، أُسومها قدري؟
كيف أجعلها مجرد ورقة تفاوض، أو صفقة في زمن السوق، أو عبئًا في زمن الحساب؟
كيف أضع علمها تحت قدمي، وأرفع راية غريبة على سطوح بيتي؟
كيف أطعن في ظهرها، وهي التي علّمتني كيف لا أطعن أحدًا؟
ما من وطن كامل، ولا أرض بلا قسوة، لكن الفرق أن أرضنا قست علينا لأنها ضاقت بأحمالنا، لا لأنها كرهتنا.
لم نكن عالةً عليها، كنا فقط أبناءً كثيرين في زمن الجفاف والخذلان، فلم تشتكِ.
الجبال التي كنا نتسلقها في الصغر، لا تزال قائمة تنادينا: "عودوا كما كنتم، لا تحملوا السكاكين إلى صدري".
والنيل الذي شربنا منه أول مرة، لا يزال يقول: "لا تعكروا مياهي بالدماء".
من لا وطن له، لا قلب له.
ومن خان أرضه، خان نفسه أولًا.
ومن جعل من الوطن خصمًا له، فقد حوّل النعمة إلى نقمة، والسند إلى عدو.
الذي يُراد لنا اليوم هو أن ننسى هذه الجملة البسيطة:
"رعتني أرضها طفلًا..."
يريدوننا أن نحاسب الأرض بالفواتير، وأن نزن حبها بالمكاسب، وأن نطالبها بما لم نعطِها، وأن نغضب منها حين يُخطئ أهلها.
لكننا نرفض.
نرفض أن نكون أبناء عقوق.
نرفض أن نُسخّر أقلامنا ضد التراب الذي أنبتنا.
نرفض أن نغادرها، جسدًا أو معنى، إلا إليها.
نرفض أن يكون اسم السودان محطة نخجل من ذكرها، أو جوازًا نُخفيه في المطارات.
سنظل نقولها، بأعلى صوت:
"رعتني أرضها طفلًا.. فكيف أُسومها قدري؟"
بلادنا قدرنا الأجمل، وإن جار الزمان.
وسنكون لها أبناءً صالحين.. ولو بعد حين.
