في الوقت الذي تُعاد فيه تشكيل لجان الخدمات بالأحياء، ويُفتح الباب أمام تكوين كيانات تمثّل المواطن في قضايا المياه، النظافة، التعليم، الأمن، والبيئة وغيرها من ضروريات الحياة، يقف المواطن اليوم أمام مسؤولية جسيمة لا تقل أهمية عن تشكيل حكومات أو انتخاب برلمانات. هذه المسؤولية هي: اختيار من يُمثله في لجنة الحي.
المسألة ليست عابرة، وليست مجرد إجراء روتيني أو تكملة أوراق تُرفع للمدير التنفيذي. بل هي خطوة مصيرية تُحدد طبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة، وتُشكل الخيط الرابط بين احتياجات الناس ومقدرات الدولة. فكما أن الدول تنهض بقياداتها، فإن الأحياء تنهض بلجانها.
لكن للأسف، في كل مرة تُفتح فيها فرص التمثيل الشعبي، يظهر بيننا من لا يعرف من العمل إلا صورته، ومن لا يرى في لجنة الحي إلا سلماً لتحقيق مصالحه، ومن لا يحفظ من كلمة "خدمة" إلا ما يعود عليه نفعاً. وهنا، نُعيد توجيه الحديث للمواطن مباشرة: انتبه.. لا تمنح صوتك لمن يستغلك، بل اختر من يُمثلك بحق.
من هو الشخص الذي يُفترض أن يمثلنا؟
هو ذلك الإنسان الملتزم، المعروف بين الناس بحسن الخلق والسيرة الطيبة، الذي يطرق الناس بابه في حاجاتهم، لا من يتخفى إذا اشتد الأمر. هو من يحترم كبار السن، ويُصغي لهم، ويشد أزر الشباب، ويحتويهم، ويشاركهم آمالهم وهمومهم. هو من لا ينتظر مناسبة ليتحرك، بل يبادر بالفعل قبل أن يُطلب منه، ويتقدم الصفوف حين يتراجع الآخرون.
هو من إذا حضرت الصلاة، وجدته في الصف الأول، لا في الصفوف الخلفية للنوادي أو جلسات اللهو والفراغ. هو من يلتزم بوقته، بوعوده، بمبادئه، ولا يضيع أيامه بين المراوغة والمماطلة. هو من لا يخشى قول الحق، ولا يُساوم على مصلحة أهله، ولا يسكت على الفساد ولو كان في أقرب الناس إليه.
هو الشاب النشط، الذي يعرف تفاصيل الحي وأولوياته، ويتنفس همّ أهله كما يتنفس هواء بيته. هو من لا يرى في اللجنة تشريفاً، بل تكليفاً، ويُدرك أن هذه الأمانة سيُسأل عنها أمام الله، ثم أمام الناس.
هو ذلك الإنسان المبادر، الحازم، الحازق، الذي يعرف كيف يُدير شؤون الحي، لا من يتلعثم حين يُسأل، أو يتغيب حين يحتاجه الناس.
احذروا من هؤلاء!
في المقابل، احذر ممن يرى نفسه في كل لجنة، وكل منصب، وكل مناسبة. هو الذي لا يطيق أن يُرى غيره في موقع المسؤولية، ويظن أنه الوحيد الذي يفهم ويُجيد، ويُحاول دوماً أن يحتكر التمثيل، وأن يُقصي كل من حوله.
احذر من النفعي الذي لا يهمه إلا موقعه، وماذا سيجني منه. تراه يتحدث عن الخدمة العامة، بينما يُخفي أجندته الخاصة خلف ابتسامة باردة. سرعان ما تظهر حقيقته في أول اختبار، فيسخّر موقعه لمصالحه، ويفرّط في حقوق الناس إذا تعارضت مع طموحاته.
احذر من الساكت عن الحق، المتلون، الذي لا موقف له، والذي يعيش على هامش الأحداث، لا يُحسن إلا الكلام وقت التصوير، والغياب وقت الأزمات.
احذر ممن يشتري تأييد الناس بوجبة أو وعد أو كلمة طيبة، ثم لا يُبالي بهم بعد ذلك. فكر جيداً: من لم يحترم صوتك قبل الجلوس على الكرسي، لن يحترمك بعده.
رسالة لكل مواطن: القرار بيدك
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحتاج لوعي شعبي ناضج، يعرف أن تمثيل الأحياء ليس للزينة، بل للتنمية، والخدمة، وحفظ الكرامة. الأمر لا يحتمل المجاملة، ولا الترضية، ولا "المعارف". من يُمثلك، هو من سيحمل قضاياك، يُفاوض باسمك، ويُطالب بحقك، ويُخطط لمستقبل أبنائك.
فلا تُهمل هذا الحق. لا تترك لجان الأحياء تُدار بالتزكية المزيفة، أو تُختطف في زوايا المساجد دون علم الجميع، أو يُفرض عليك فيها من لا يستحق. اسأل عن المرشح، تاريخه، أفعاله، مواقفه. لا تستحِ من أن ترفض من لا يُقنعك، ولا تتردد في دعم من يستحق.
ولتكن رسالتنا موحّدة: نريد من يمثلنا، لا من يستغلنا. نريد من يخدم، لا من يتسيد. نريد لجاناً حقيقية، تعبر عنّا، لا تملي علينا من لا نريده.
وختاماً، نوجّه نداءً صادقاً لكل مواطن في كل ولايات السودان:
أحياؤنا تستحق من يخدمها، لا من يتاجر بها. فلنحسن الاختيار.. فإن ضيّعنا الصوت اليوم، سندفع الثمن غداً.
